هذه الرسالة المباشرة للغاية جاءت في وقت تحتل فيه قضية الاقتصاد وتحسين مستوي معيشة المواطن العادي الأولوية لدي غالبية المواطنين الأمريكيين. فالإحصاءات الأخيرة أظهرت أن مستوي الإنفاق في موسم التسوق الذي يسبق موسم أعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة) وهو الأهم هنا في الولايات المتحدة( قد أنخفض للعام الثالث علي التوالي وتتوالي التقارير بمعدل ثابت تقريبا عن اضطرار المزيد من الشركات الأمريكية التخلص من موظفيها بسبب حالة الكساد التي يشكو منها الجميع. كما أنها تأتي في إطار الاستراتيجية التي يتبعها مناهضو الحرب والتي تقوم بمخاطبة كافة طبقات وطوائف المجتمع الأمريكي. ففي إعلان سابق كانت الرسالة موجهة من قادة عشرات الكنائس بمختلف طوائفها) كاثوليك وبروتستانت وكنائس السود والملونين( وتقوم علي تأكيد أن حربا ستقوم أمريكا بشنها ضد العراق في الوقت الحالي ستكون' حربا غير عادلة' من المنظور المسيحي وذلك لأنها ستضر أساسا بالأبرياء من أبناء الشعب العراقي بجانب أن الإدارة الأمريكية لم تقدم حتي الآن ما يكفي من الأدلة لإثبات أن العراق بات يمثل بالفعل خطرا داهما لأمن الولايات المتحدة ومواطنيها. وكانت هذه الرسالة مهمة أيضا مع تزايد تأثير المد الديني في الولايات المتحدة وأعداد من يرتادون الكنائس وأماكن العبادة.
ورغم التعمد الواضح لوسائل الإعلام الأمريكية الرئيسية( والتي بات من الممكن وصفها بكل تأكيد بالرسمية والحكومية) في تجاهل تغطية أنشطة تلك الجماعات المناهضة للحرب والتي تقدر بالمئات فإن استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت تأثيرهم الواضح علي الرأي العام الأمريكي. ففي استطلاع نشرته أخيرا صحيفة لوس أنجليس تايمز قال67 في المائة أنهم غير موافقين علي قيام الولايات المتحدة بضرب العراق منفردة من دون موافقة بقية أعضاء مجلس الأمن. وبينما اتهم البعض الصحيفة المعروفة بمواقفها الليبرالية أنها استطلعت قراءها في الأساس فإن استطلاعا آخر أجرته شبكة تلفزيون السي.إن.إن) وهي مفرطة في تأييدها للرئيس بوش( أظهر أن54 في المائة علي الأقل من الأمريكيين يعارضون كذلك قيام بلادهم بضرب العراق بشكل منفرد. ويفخر أعضاء المنظمات المناهضة للحرب بهذا الإنجاز الأكيد مع الوضع في الاعتبار حملة الدعاية الفجة التي تقوم بها شبكات التلفزيون الرئيسية) وهي الأكثر أهمية وتأثيرا في الولايات المتحدة( لمساندة الرئيس بوش في رغبته ضرب العراق واحتلال حقولها النفطية. وعندما قام ما يزيد علي100 إلي150 ألف متظاهر بالتجمع في العاصمة واشنطن في26 أكتوبر الماضي للتظاهر ضد الحرب أشارت الشبكات التلفزيونية سي.إن.إن وفوكس وسي.إن.بي.سي وإيه.بي.سي إلي هذا الحدث غير المسبوق بشكل عابر لم يستغرق سوي ثوان معدودة. أما الصحف اليومية الأكثر تأثيرا مثل النيويورك تايمز وواواشنطن بوست واليوس.إيه.توداي والواشنطن تايمز والتي تتصدر صفحاتها الأولي دائما التقارير التي يتم تسريبها لها من أطراف الإدارة المختلفة المؤيدة للحرب ضد العراق فلقد تجاهلت الحدث تقريبا وأشارت إليه في صفحاتها الداخلية فقط بل وزعمت أن عدد المشاركين لم يتجاوز الآلاف.
ولكن هذا التجاهل الرسمي لم يؤد مطلقا إلي إحباط مناهضي الحرب الذين يواصلون وبإصرار ابتداع الأشكال المختلفة لتأكيد معارضتهم الحرب ولتوصيل رسالتهم إلي المواطن الأمريكي العادي. ففي الكثير من المؤتمرات الصحفية التي يعقدها مسئولون أمريكيون كبار لتناول قضية العراق وتبرير شن هجوم عسكري ضدها يفاجأ الصحفيون بمجموعة صغيرة من الشباب صغير السن يقفون فجأة ثم يبدأون في ترديد هتافات معارضة للحرب ويرفعون لافتات تتهم إدارة بوش بأنه يشن الحرب فقط من أجل الاستيلاء علي نفط الخليج. وقبل أسابيع أتصل مناهضو الحرب بالصحفيين لكي يقوموا بتغطية احتجاجاتهم أمام مقار تسجيل جنود الاحتياط الذين تم استدعاؤهم للخدمة استعدادا للحرب ضد العراق وكذلك أمام محطات البنزين التابعة لشركات النفط الكبري. وأمام محطة تابعة' لاكسون-موبيل' في شارع بنسلفانيا في العاصمة واشنطن قام27 مناهضو الحرب بارتداء الحقائب البلاستيكية التي يتم استخدامها عادة لنقل الموتي واستلقوا أمام مدخل المحطة لبعض دقائق. ثم خرجوا فجأة من داخل تلك الأكياس التي جعلتهم يبدون كما الجثث المتناثرة ليهتفوا:' لا للدماء مقابل النفط.' وانتقلوا بعد ذلك لمحطة بنزين أخري مجاورة ليكرروا نفس المشهد. بالطبع المارة في الشارع يتعاملون مع هؤلاء علي أنهم مجانين علي الطريقة الأمريكية ولكن ذلك لا يضعف من عزيمة مناهضي الحرب ويؤكدون أن استمرار القيام بهذه الأعمال وكافة الأشكال الاحتجاجية من شأنه زيادة عدد مؤيديهم وهو ما أكدته الاحصاءات الأخيرة بكل تأكيد.
وأمام البيت الأبيض يتجمع ظهر كل أحد منذ نهاية شهر نوفمبر الماضي عدد من النساء معظمهن متقدمات في السن ويرتدين سترات وردية اللون وذلك لتأكيد معارضتهن للحرب كنساء وأمهات. وتنوي هذه المجموعة من النساء التي تطلق علي نفسها اسم' النساء ذات الزي الوردي' الاستمرار في هذا العمل الاحتجاجي حتي الثامن من شهر مارس القادم عندما يتم تنظيم مسيرة نسائية كبيرة أمام البيت الأبيض بمناسبة يوم المرأة العالمي. وقالت السيدة جين مينلي والتي تبلغ من العمر64 عاما والتي تأتي إلي هذا الموقع كل أسبوع لمشاركة زميلاتها في هذا الاحتجاج الرمزي أنها غير مقتنعة بما تردده الادارة الأمريكية عن الخطر الذي يمثله العراق وتري أن' الفشل في التوصل إلي سلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين هي القضية التي يجب أن نركز عليها الآن.' وتضيف أن بوش يريد ضرب العراق لزيادة شعبيته ولتيقنه أنها ستكون هدفا سهلا مقارنة بكوريا الشمالية.
وربما يكون المفيد الإشارة هنا إلي غالبية من يشاركون في المظاهرات المناهضة للحرب يؤيدون كذلك حقوق الشعب الفلسطيني ويعارضون بشدة تحيز الادارات الأمريكية المتعاقبة لاسرائيل وهذا مؤشر مقلق بكل تأكيد لجماعات اللوبي اليهودية المؤثرة والقوية. وقالت سيدة أخري وقفت بجوار مينلي أنها جاءت للمشاركة في الاحتجاج بسبب عدم موافقتها علي' حمي الحرب التي تجتاح وسائل الإعلام الآن من دون أن يقدم لنا أحد تفسيرا مقنعا لسبب هذه الحرب ومبرراتها.' وأضافت أنها سبق لها زيارة العراق مع مجموعة من الأمريكيين الاعضاء في منظمة تدعي' أصوات في البرية' والتي قامت وزارة الخزانة الأمريكية بتغريمها20 الف دولار قبل شهور وذلك بدعوي قيامها بخرق قرارات الحظر المفروضة علي العراق بتوصيلها مساعدات إنسانية وطبية إلي منظمات غير حكومية تعمل هناك.
ويستعد أعضاء المنظمات المناهضة للحرب- وعلي رأسها منظمة تدعي أنسر إنترناشونال) وهو اختصار لاسمها بالانجليزية' تحرك الآن لوقف الحرب وإنهاء العنصرية'( وكذلك' متحدين من أجل السلام' و'الانتصار من دون حرب' و' الشبكة الوطنية من أجل إنهاء الحرب ضد العراق'- يستعد كل هؤلاء لمظاهرة ضخمة ستشهدها العاصمة واشنطن في الثامن عشر من الشهر الحالي وذلك بمناسبة ذكري ميلاد زعيم الحقوق المدنية الأسود مارتن لوثر كينج. ويأمل المنظمون أن يفوق أعداد المشاركين في تلك المظاهرة ضعف المشاركين في احتجاج شهر أكتوبر الماضي وذلك لكي تصل الرسالة واضحة وقوية للرئيس بوش أن هناك قطاعا واسعا لا يستهان به في المجتمع الأمريكي يعارض خططه لضرب العراق. والسبب الرئيسي وراء نجاح هذه الجماعات والمنظمات العمل الدءوب والإيمان القوي بعدالة قضيتهم وبالتالي فهم يتوقعون أن تكون رسالتهم في الثامن عشر من يناير مؤثرة وقوية خاصة أنها ستأتي قبل أيام من تقديم مفتشي الأمم المتحدة لتقريرهم النهائي عن مدي تعاون العراق مع القرار1441 والذي من المتوقع أن يستغله الرئيس بوش من أجل البدء في حملته العسكرية ضد العراق في منتصف أو نهاية شهر فبراير المقبل.
http://www.ahram.org.eg/arab/ahram/2003/1/9/REPO1.HTM