PDA

View Full Version : مســــــتـنــــــــــــقـــــــــــــــع التــــــــكفيــــــــــــر!!


أبو لـُجين ابراهيم
28-06-2000, 08:12 AM
مســــــتـنــــــــــــقـــــــــــــــع التــــــــكفيــــــــــــر!!

ربما يكون تكفير الناس وتفسيقهم وتضليلهم أمراً هيناً على لسان بعض الناس ولكنه عند الله عظيم ، فلا يحل لمسلم أن يتجرأ في تكفير مسلم أو تفسيقه أو تضليله ما لم تكن له حجة بالغة أو يكون على يقين من ذلك .

يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى (12/46) : ( ليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين ، وإن أخطأ وغلط ، حتى تقام عليه الحجة ، وتبين له المحجة ، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك ، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة ) .

فأهل السنة والجماعة عندهم الكفر كفران : كفر يوجب لصاحبه الخلود في النار وهو الكفر الأكبر المخرج من ملة الإسلام ، وكفر لا يستوجب لصاحبه الخلود في النار وهو الكفر الأصغر الذي يسمى كفر النعمة أو المعصية ، وهذا يستحق صاحبه الوعيد دون الخلود .

والوعيد قد يتخلف إما لحسنات ماحية ، أو مصائب يبتلى بها ، أو شفاعة وأعظم من ذلك رحمة الله تعالى .

كما أنهم يطلقون التفريق بين القول ، الذي قد يكون كفراً وبين قائله ، الذي لا يحكمون عليه بالكفر إلا بعد إقامة الحجة وتعليمه وإزالة الشبهة عنه .

يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله في كتاب التوسل أنواعه وأحكامه ( ص41)

( وأصل ذلك المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر قولاً يطلق ، كما دلت على ذلك الدلائل الشرعية ، فإن ( الإيمان ) من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله ، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم ، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير ، وتنتفي موانعه ، مثل من قال إن الخمر أو الربا حلال لقرب عهده بالإسلام ، أو لنشوئه في بلدة بعيدة ، أو سمع كلاماً أنكره ولم يعتقده أنه من القرآن ولا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وفي التحذير من تكفير علماء الأمة بسبب اجتهاد يقول الإمام ابن تيمية في الفتاوى ( 3/229ـ231) : ( إن علماء المسلمين المتكلمين في الدنيا باجتهادهم لا يجوز تكفير أحدهم بمجرد خطأ أخطأه في كلامه ، فإن تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات ، وإنما أصل هذا من الخوارج والروافض الذي يكفرون أئمة المسلمين .

وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض ، بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس كل من يترك بعض كلامه لخطأ أخطأه يكفر ولا يفسق ) . ( وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها ، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية ، والمسائل العلمية ) .

ولننظر إلى أدب العلماء وأهل الفقه عند اختلافهم مع غيرهم كيف يكون صنيعهم ؟ إنهم عفوا ألسنتهم عن الوقوع في الجرح والطعن والتكفير والتضليل ، ( وإليك الرسالة العلمية الرائعة ، التي بعث بها فقيه مصر وإمامها وعالمها الليث بن سعد إلى الإمام مالك ، يعرض عليه فيها وجهة نظره ، في أدب جم رفيع ، حول كثير مما كان الإمام مالك يذهب إليه ، ويخالفه فيه الليث بن سعد .

ونظراً لطول الرسالة نقتطف منها ما يشير إلى ذلك الأدب الرفيع ، الذي اختلف في ظله سلف هذه الأمة ، وكرام علمائها ، يقول الليث بن سعد :

( .. سلام عليك ، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد :

عافانا الله وإياك ، وأحسن لنا العاقبة في الدنيا والآخرة ، قد بلغني كتابك فيه من صلاح حالكم الذي يسرني ، فأدام الله بكم ، وأتمه بالعون على شكره ، والزيادة من إحسانه .. ) .

ثم يقول .. ( وإنه بلغك أني أفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه الناس عندكم ، وأني يحق عليّ الخوف على نفسي لاعتماد من قبلي على ما أفتيهم به ، وأن الناس تبع لأهل المدينة التي كانت إليها الهجرة ، وبها نزل القرآن وقد أصبت بالذي كتبت به من ذلك ، إن شاء الله تعالى ـ ووقع مني بالموقع الذي تحب ، وما أجد أحداً ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا ، ولا أشد تفضيلاً لعلماء أهل المدينة الذي مضوا ، ولا آخذ لفتياهم فيما اتفقوا عليه مني ، والحمد الله رب العالمين لا شريك له ) .

ثم يمضي الإمام الليث بن سعد في رسالته ، مورداً أوجه الخلاف بينه وبين الإمام مالك رحمهما الله تعالى ، حول حجية عمل أهل المدينة ، مبيناً أن كثيراً من السابقين الأولين الذين تخرجوا في مدرسة النبوة حملوا إلى مشارق الأرض ومغاربها ، وهم يجاهدون ، ما تعلموه من كتاب الله وسنة نبيه ، وبين أن التابعين قد اختلفوا في أشياء ، وكذلك من أتى بعدهم من أمثال : ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، حيث يذكر بعض مآخذه عليه .

ثم يقول : ( ومع ذلك بحمد الله ـ عند ربيعة خير كثير ، وعقل أصيل ، ولسان بليغ ، وفضل مستبين ، وطريقة حسنة في الإسلام ، ومودة صادقة لإخوانه عامة ، ولنا خاصة ، ورحمه الله وغفر له وجزاه بأحسن ما عمله ) .

ثم يذكر م أمثلة الاختلاف بينه وبين الإمام مالك قضايا عديدة مثل :

الجمع ليلة المطر ـ والقضاء بشاهد ويمين ـ ومؤخر الصداق لا يقبض إلا عند الفراق ـ وتقديم الصلاة على الخطبة في الاستسقاء … وقضايا خلافية أخرى ، ثم قال في نهاية الرسالة :

(( .. وقد تركت أشياء كثيرة من أشباه هذا ، وأنا أحب توفيق الله إياك ، وطول بقائك ، لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك ، مع استئناسي بمكانك وإن نأت الدار ، فهذه منزلتك عندي ورأيي فيك ، فاستيقنه ، ولا تترك الكتاب إليّ بخبرك وحالك وحال ولدك وأهلك ، وحاجة إن كانت لك ، أو لأحد يوصل بك ، فإني أسر بذلك . كتبت إليك ونحن معافون والحمد الله ، ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر ما أولانا ، وتمام ما أنعم به علينا .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

بعد الرسالة سالفة الذكر أظن أننا بحاجة إلى شرح أو تفصيل ، فاللبيب تكفيه الإشارة .

يكفي اللبيب إشــارة مرموزة

وســـواء يدعى بالنداء الـعـالــي

هؤلاء هم قدواتنا ، فلنتخلق بأخلاقهم ، ولنفتخر بالانتماء إليهم ، ولنسعد بالاهتداء بهديهم الذي نهلوه من أسوتهم وقائدهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم :

أولئك آبائي فجـئني بمثلـــهــم

إذا جمعتنا يا جــريــر المـجامع

المرجع : منهجية التعامل مع الشبهات وقواعد دحضها .


------------------
abulojin@yahoo.com