PDA

View Full Version : * أمجـــادنا *


صدى الحق
08-12-2004, 11:20 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أمجـــادنا



تأملات :الوطن العربي :الأحد 16شوال 1425هـ - 28 نوفمبر 2004 م



مفكرة الإسلام: أمجادنا.. تاريخنا.. تراثنا.. ماضينا.. ألفاظ ظلمت فنسبت إلى غير أبيها, بعد أن أطفئت أنوار الحقيقة فيها.. ابتدأ بها القومي خطابه فبدل خبرها، وتحدث بها الدَّعي فطمس آثارها.. وصاح بها الإقليمي الضيق فغير مرادها.. أما هي في لغة الإسلام فشيء آخر.

إنَّ تاريخنا أمجاد سطرتها الأمم التي فتحناها قبل أن نسطرها، أعلنتها السهول التي نزلناها، والجُدَدُ التي طرقناها.. أمجادنا عطر سرى في الأجواء وبريق تلألأ في السماء.

سل المواضي عن أمجاد ماضينا

نحن الذين جمعنا كل مكـرمة

نحن الذين فتحنـا كل مغلقة

نحن الذين رفعنـا كل مئذنة

واسأل عوالينا ذكرى معاليـنا

ما سيم عائذنا ما خاب راجينا

وفر من بأسنا العـاتي ملاقيـنا

في مسمع الكون تكبيرات داعينا

'الله أكبر' دوت بها أرجاء مكة، ورددت أصداؤها منابر الصين ومآذن إفريقية. أمجادنا.. ضاربة في الزمن عمقًا، وفي الكون اتساعًا، فلسنا أمة مقطوعة من شجرة, ترهقها قترة.. بل نحن أمة أصلها ثابت وفرعها في السماء.. نحن أمة أمجاد.. أمة أجداد.. أمة قوة.. أمة فتوة، تاريخنا مشرق وضاء، وصفحاتنا نظيفة بيضاء.

ليست أمجادنا التي نفاخر بها أمجاد عرب.. كلا.. وما صُبغنا يومًا بالقومية فوجدنا العز.. كلا..

لكن مجدنا مجد.. ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون.. وصبغتنا صبغة الله .. لقد أشرق تاريخنا يوم ولد محمد صلى الله عليه وسلم, وتتابعت أمجادنا يوم قام فأنذر.



لما أطل محمد زكت الـــربى

وأضاءت الفردوس مكنون الشذا

واخضر في البستان كل هشيم
فإذا الـورى في نضرة ونعيم



أما قبل ذلك فليس للعرب مجدٌ يفاخرون به ولا تاريخ يتحدثون عنه غير المعلقات.. وقصر غمدان.. وجدار وإيوان... وحين نفاخر الناس بالدنيا - وكأنما هي أمجادنا الحقيقية - فلسنا بذلك نؤهل أنفسنا لريادة العالم تقنيًا، لأنا قد نجد عندهم ما يفوق.. ومن يفاخر منا بالطين فليتأمل سور الصين..

لكنا نفاخر بأمجاد لا يجدون لها مثيلاً.

• نفاخر بالرسول الكريم، الذي ختمت به الرسالات، وفضله الله على سائر الأنبياء.

• نفاخر بالدين الذي أكمله الله لنا وأتمه, وتكفل بحفظه وجعله صالحًا لكل زمان ومكان.

• نفاخر بالقرآن, فمن يستطيع له: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}.

• نفاخر بالعلم الذي نشرناه فأضاءت به الدنيا وكانت قبله تعيش الجاهلية.. كانت أوربا تعيش الظلام والجهل في القرون الوسطى وما أبصرت إلا حين التقمت ثديًا من الحضارة الإسلامية.

يقول 'بريفولت' في كتاب بناء الإنسانية: [لم يكن العلم وحده هو الذي أعاد أوربا إلى الحياة, بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت أشعتها إلى الحياة الأوربية].

• نفاخر بالعدل الذي حكمنا به البسيطة بعد أن كانت تحكم بالنار والحديد والظلم والتهديد, لم يكن العدل الذي نشرناه نعيمًا لأهل الإسلام فحسب، بل لقد نعم به حتى الكفار الذين يسكنون في الديار التي يحكمها الإسلام، لقد وجد أهل الذمة والعهد في الإسلام ما لم يجدوه عند بني دينهم.

لما فتح أبو عبيده عامر بن الجراح بلاد الشام دفع النصارى الجزية واشترطوا حماية المسلمين لهم من بطش الروم وطغيانهم, فقبل أبو عبيدة الشرط وأخذ الجزية، ومرت الأيام وسمع أبو عبيدة أن هرقل يعد جيشًا ضخمًا لاسترداد الشام من المسلمين، فأخذ أبو عبيدة الجزية التي دفعها النصارى من قبل وردها عليهم معتذرًا أنه لا يقدر على حمايتهم وقال: نحن لكم على الشرط إن نصرنا الله عليهم، فلما نصره الله جاء أهل الشام يدفعون الجزية عن رضى وهم يقولون: [أنتم – ولستم على ديننا – أحب إلينا وأرأف بنا من أهل ديننا].



تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبًا بماء فعاد بعد أبوالاً



• نفاخر بالرجال الذين خلد التاريخ ذكرهم وسطر أمجادهم حتى كأنما أخبارهم خيال لا حقيقة، إنهم الرجال الذين نصروا الدين وأقاموا الملة ودوخوا فارس والروم الذين كانوا لا يزنون للعرب أي وزن.

خرج سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقارع فارس بجنود الإسلام, فولوا الأدبار منهزمين, فلحقهم وتابع عليهم الهزائم, وفر كسرى يرجو النجاة بنفسه فتوجه إلى المدائن وهو يظن أن مياه دجلة ستحميه وتحول بينه وبين المسلمين، وسعد ومن معه يطاردون علوجهم، من حصن إلى حصن وما شعر إلا ومياه دجله تعترضه وقد علم أن كسرى لجأ إلى المدائن ولاذ بها، فوقف سعد أمام النهر وهو يرمي بالزَّبَد, فسمى الله وعبر عليه بجنوده وخيله، فدخلوا النهر أفواجًا حتى غطوه من الساحل إلى الساحل من كثرتهم وخرجوا منه أفواجًا لم يغرق منهم أحد.



وأسلنا على المدائن خيـلاً

فانتثلنا خزائن المرء كسرى

يوم ولوا وحاص منا جريضًا

بحرها مثل برهن أريضًا



• هذه أمجادنا التي نفاخر بها وهذا تاريخنا الذي لا يعالينا فيه أحد, ومع ذلك فهو لا يغنينا كثيرًا إذا كنا مقطوعي النسب عنه.

إن علينا أن نقرأ الأمجاد والمآثر قراءةً مثمرةً فاعلة, نتلمس من خلالها أسباب العز والمجد السابق, فنسعى لتحقيق تلك الأسباب من أجل تجديد الأمجاد وإعادة التاريخ مرة أخرى فالأمور معقودة بأسبابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.

لابد أن نقتفي أثر السابقين ونسير على طريقتهم كما قال مالك: [إنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها].

إن أمة سطرت ذلك التاريخ وملكت تلك الأمجاد لا يصلح أن تذل اليوم لكافر أو تخضع له.. {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.

- أمة كانت قبل قائدة للركب رائدة للحضارة هل يليق بها أن تكون اليوم مقودة يمسك بزمامها أراذل القوم؟!

- أمة هدمت الأصنام وأزاحت الجاهلية هل يصح أن ينتشر فيها الجهل مرة أخرى وأن تعلو فيها الأصنام ويطاف فيها بالأضرحة والقبور ويعبد فيها الهوى ويغيب عن ساحتها الهدى؟!

إن المسلمين اليوم لا يشكون من قلة في العدد، فهم أكثر الناس عددًا, لكنهم لا يشكلون ثقلاً يؤثر في موازين الحياة.. قد صدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: [ولكنكم غثاء كغثاء السيل].

إنها دعوة صادقة لإزالة الغثائية عن الأمة والسعي الجاد في إعادة الأمجاد, حتى تنقل أمجادنا السابقة من طي الكتب وسجل التاريخ إلى أرض الحاضر الذي نعيشه.





إبراهيم بن صالح الدحيم

المصدر :-


أ مــــــــــجــــــــــا د نـــــــــــــا (http://www.islammemo.cc/filz/one_news.asp?IDNews=529)