View Full Version : النيران تأكل أمريكا
حفيد حمزة
28-10-2003, 06:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اليكم ماكتبه صحفي سعودي عن ماتفعله النيران في إحدى مقاطعات ولاية ساندياغو في أمريكا
من موقع "إيلاف" العميل للأمريكان قرأت الآتي:
أحدثكم من عين الكارثة(1)
الاثنين 27 أكتوبر 2003 15:15
عبد الكريم الفالح
السماء تمطر رمادا!!
أحدثكم بالقرب من عين الكارثة. النيران الهائلة والممتدة وصلت قريبا من منزلي في سان دييغو. انها على بعد 10 أميال من هنا. لكنها تتجه ناحية منطقتي تبعا لاتجاه الريح.(اذهبي بعيدا أيتها الريح). السماء هنا من نافذتي مغطاة بالسواد. أرى الشمس حمراء قاتمة. سحب الدخان تغطيها. أطل على مواقف السيارات من نافذتي، فأراها مغطاة بالرماد. السماء تمطر رمادا. ورائحة الرماد تصلني الى داخل المنزل. انها نيران هائلة هنا في ثلاث مناطق متفرقة في مقاطعة سان دييغو. مات عشرة أشخاص حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها، واحترق 100ألف هكتار، ودمرت النيران 200 منزلا.
أعلن محافظ المدينة أن الوضع سيء جدا. تسابقت محطات التلفزيون المحلية الى الوصول بالقرب من النيران، وكم كنت أستغرب سابقا هذه الكثافة الهائلة من المحطات المحلية، وكنت أقول انها مبالغ فيها، فأغلبية الناس هنا تتابع مايحدث دوليا، الآن اقفز الى هذه المحطات لأتابع مايجري، وأطلب مزيدا منها. حركة الناس من نافذتي غير طبيعية برغم أنهم يحاولون أن يبدوا طبيعيين. الكمامات تغطي الأنوف والأفواه. أعلنت محطات التلفزيون قبل لحظات أن على كل سكان منطقتي "كليرمونت" أن يكونوا مستعدين للاجلاء والذهاب، اما الى الملعب الكبير في المدينة القريب من هنا أو الى الشاطيْ أو يذهبوا الى أي مكان يروه آمنا. قالت التعليمات احملوا معكم ماء وأكلا وكل ماتحتاجون وارحلوا في حالة أعلنا أن النار اقتربت من منطقتكم، وأضافت ان هناك عدة حالات لاعلان ذلك: عبر محطات التلفزيون أو عبر مايكروفونات سيارات الشرطة التي عادة ماتسبق سيارات المطافيء التي تلاحق النار.
ركضت الى الانترنت لأتابع الأخبار أيضا من مواقع سان دييغو، فأبلغني الأنترنت بمؤشر سيء. انه لايعمل ولأول مرة منذ عامين ونصف مكثتها في الولايات المتحدة. لم يفعلها ولو لمرة واحدة،. قفزت الى الهاتف . اتصلت بجيراني فقرر بعضهم الرحيل وقرر آخرون البقاء. اتصلت ب911 وطلبت منهم معلومات وتعليمات عن الوضع، فكانوا لطيفين جدا معي لم يقولوا( ماحنا فاضين لك)، ولم يرد علي شريط مسجل ليقول لي:( ان جميع المآمير مشغولون الآن): هدأوا روعي قليلا. قالوا ان النيران تتجه بالفعل ناحية منطقتك لكنك الآن في وضع جيد الى حد ما، وأعطوني رقم هاتف للطواريء والمعلومات. شكرتهم وأغلقت الخط، واتصلت بالرقم الذي قدموه لي فوجدته مشغولا، وها أنذا أحاول منذ ساعتين أن أتصل به فلا أستطيع. عدت الى الانترنت فوجدت الحياة وقد عادت اليه. تابعت أخبار الحريق فلاتزال سيئة جدا . النيران تقترب شيئا فشيئا، ولأن الجنون الصحفي يلعب برأسي قررت أن أتوقف عن متابعة الأخبار وأكتب الى ايلاف وقبل ذلك أن أدور في الشوارع لأصور بالفيديو مايجري( والله فاضي) .
ذهبت للخارج لأضرب عصفورين بحجر واحد. أصور، وأشتري ماء وأكلا وثلاجة صغيرة وكمامات لي ولزوجتي ولابنتي الصغيرتين، هيا(6 سنوات ونصف)، ونوف(أربع سنوات ونصف)، لكن المشاهد التي رأيتها في الشارع وسط الرماد وقطع الورق الكبيرة المحترقة في الجو أعادت لي الرعب مرة أخرى. السيارات في حركة سرعة غير عادية. الناس قلقون. الوجوه غير الوجوه، وصوت الشارع الأميركي يعلو كما لم أسمع من قبل، والأدهى من ذلك أن المتجر الكبير الذي أتبضع منه دائما مغلق. الناس متزاحمون على بواباته. سألت نفسي: هل أعلنوا ا( الجلاء)؟ هل اقتربت النار من منزلي، ولو حدث ذلك وأنا في الخارج وأهلي هناك في المنزل فماذا سيحدث؟ هل سيتركون المنزل بسرعة ووسط حالة طواريء، وأين سيذهبون بدوني. قررت أن أهدأ ولا أترك لأعصابي أن تنفلت فيضيع كل شيء قرأت دعوات وآيات قرآنية. سألت من حولي هل هو موعد النزوح، فأبلغوني أنه لم يحن بعد. قفزت الى السيارة لأستمع الى الراديو وأنا في طريقي لمتجر آخر فأصبت بمزيد من الرعب: يقولون أن النار تقترب وأنهم أغلقوا الطريق السريع الخامس شمالا والثامن شمالا أيضا. المتجر الآخر في الشمال فماذا أفعل؟ اتجهت جنوبا، فعثرت على متجر مفتوح. سألت فيه عن الكمامات فأبلغوني باتهائها. ذهبت الى متجر آخر فأبلغت بنفس الخبر. التقطت ماءا وخبزا، وكنت أطلب نارا قبلا لأذهب الى رحلة شواء في الشاطيء. لكن النار في كل مكان وأنا أحترق من الداخل. ذهبت الى المنزل في سرعة لم أعهدها من قبل. وشاهدت هناك المفاجأة!! يتبع
صحفي وكاتب سعودي مقيم في سان دييغو
alfaleh111@yahoo.com
حفيد حمزة
29-10-2003, 08:04 PM
مفاجآت في حضرة الريح والنار
http://www.elaph.com:9090/elaph/pub/images/large/2003/oct/28/1067359244250000300.jpg
المفاجآت تتوالى في حضرة النار الهائلة بالقرب من منزلي في سان دييغو، والتي قتلت حتى كتابة هذه السطور(الحادية عشرة من صباح الاثنين) 11 شخصا في المدينة، والمفاجآت هي: سقوط طائرة، نزوح، ازدياد النيران وتناقص المياه، محاصرة لأشخاص في عدة أماكن، اغلاق المدارس، واتجاهات الريح التي توجه مسارالنار.
أكبر المفاجآت بالنسبة لي كانت اقتراب النار الهائلة من منزلي بمسافة 7 أميال، بعد أن كانت قبل ساعتين فقط على بعد عشرة أميال. انها قادمة، وهذا يعني أن من المحتمل وصولها لي بعد ساعتين ونصف فقط.
وقد بدأ الاستعداد الأكبر للنزوح من المنزل، برغم أن المسؤولين لم يطلبوا منا ذلك كما فعلوا مع المناطق المجاورة لنا، والتي طالتهم النار ونزحوا وسط الرماد والدخان.
وبرغم أن الرماد يصلنا هنا ورائحة الحريق في كل مكان الا أنني قررت ألا ارحل حتى يتم الابلاغ عن ذلك رسميا، لأنني لا أملك مكانا أنزح فيه مثل جاري ا الذي قرر الرحيل مع أطفاله الى أقاربه في شولا فيستا، أو جاري المكسيكي الآخر الذي قال لي أنه سينزح الى بلاده المكسيك التي تبعد 17 ميلا من المجمع السكني الذي نعيش فيه، وهي بعكس طريق النار. قال لي : سأذهب الى هناك لأن الريح تتجه ناحيتنا الآن وهي ليست في طريقها للمكسيك (ماذا لو لحقتك الريح ياصاحبي؟).
عشت ساعتين من قلق ونار قضيتهما بين التلفزيون والانترنت لمتابعة الأخبار أو بالأحرى متابعة اتجاه النار، فاذا أعلنوا أنها نزداد قدوما وسعيرا، فسأركب سيارتي التي أصبحت مجهزة بالطعام والشراب والثلج، و ثلاجة صغيرة متحركة، وأتجه، ولكن الى أين؟ سألت مديرة المجمع الذي أسكن به: أين يمكن أن نرحل؟ هل الى الغرب حيث البحر أو الجنوب حيث المكسيك، لأننا لانستطيع الرحيل شمالا فالنيران هناك ولا نستطيع شرقا أيضا فقد أغلقوا الطريق الموصلة الى هناك، قالت المديرة انها لن ترحل حتى لو وصلتها النار، لأننا كما تقول محاصرون، فالنار خلفنا والبحر أمامنا، ولن تذهب الى البحر لتموت هناك. قالت انها تفضل أن تموت في منزلها عوضا أن تموت اما حرقا أوغرقا!!
انه الرعب، وبدلا من أن تطمئنني المديرة على الوضع زادتني قلقا تركتهابقرارها النتحاري وتابعت مواصلة الأخبار التي أكدت سقوط طائرة صغيرة متأثرة بالدخان الكثيف، لكن قائدها نجا بأعجوبة، وسألت نفسي هل نجا من سقوط الطائرة ليسقط في النار؟
جاءني الجواب عبر التلفزيون بأنه هرب من الطائرة الى طريق سريع خال من السيارات و النيران.
في خضم هذه الأحداث المتسارعة لاأنسى ذلك المشهد الذي رأيته عبر احدى المحطات التلفزيونية في المدينة: كانت اللقطة من طائرة هليكوبتر تصور الأفق، وكان خط النار محتلا ذلك الأفق، والمروع أن خط النار كان يجري بسرعة خارقة من الشرق الى الغرب. سرعة هائلة للنار، وكأن بدايتها من الغرب فم هائل يأكل مايصادفه، والجسد جسد وحش يتحرك يمنة ويسرة ليأكل ماحوله. ياسبحان الله.
كانت الأخبار التلفزيونية تترافق مع أخبار الطقس وبالأخص الريح التي أصبحت الآن مهمة جدا في هذا الوضع. قالوا ان سرعة الرياح باتجاه المنطقة التي أعيش فيها عالية، وأكدوا أن الريح عادة تخف كثيرا في الليل وتشتد صباحا. عشقت الليل وتمنيت قدومه سريعا، وبعد أن كنت أنتظره لأكتب شعري ونبضي، تمنيته الآن ليحفظ لي الله زوجتي وأطفالي ويهديء نبضي. مرت الساعتان اللتين قضيتهما بانتظارمفاجآت الريح بطيئة جدا وثقيلة. في هذه الأثناء أعلن محافظ سان دييغو أنه طلب من البيت الأبيض اعلان مدينة سان دييغو منطقة كوارث، وهو ينتظر قرار الرئيس بوش بهذا الاعلان، وأضاف:" ان هذا الاعلان يتيح للمتضررين تسلم اعانة فيدرالية". لانريد مساعدات أيها الحاكم. نريد أن نتحدث مع الريح. أن ندعو الله ونحن نستقبل هذا الشهر الفضيل أن يطفيء الريح قليلا. يبعدها عن مناطقنا ومناطق الجميع. يوجهها حيث لاتضر أحدا ولا تستثير الناروتكتب نهاية الأرواح.
واستجاب الله لدعواتنا وياسبحان الخالق. أعلنت محطات التلفزيون أن الريح هدأت وأن النار توقفت عن التقدم لكنها لاتزال مشتعلة في ثلاث مناطق في المدينة. حل الليل. هدأنا قليلا. تنفسنا الصعداء، ولكن لاوجود للنقاء أبدا. الجو وبرغم هدوء النار متشح برائحة الحريق والرماد القادم من وحوش النار.
حل بي الجنون الصحفي مرة أخرى. قررت أن أستغل فترة الهدوء لأخرج وأقترب من النار لأصورها، وفعلت فماذا شاهدت؟
في مشهد رهيب ومروع، رأيت النار هائلة مرتفعة في السماء بارتفاع ناطحة سحاب كوحش اسطوري. كنت أشاهد نيرانا تلتهم أدوارا في بنايات، لكن لهبها لايتجاوز أكثر من خمسة أمتار في أقواها. هنا رأيت تنينا ناريا أسطوريا يرتفع عاليا جدا في السماء. الصور التي نشاهدها عبر محطات التلفزيون لاتعبر عن أصل النار التي نشاهدها بالعين المجردة. فالشاشة التلفزيونية تعطيك احساسا بصغر النار مهما كبرت، لكن النار على الطبيعة كائن خرافي هائل وفظيع.
عدت الى المنزل ورائحة الرماد تكاد تخنقني. هدأنا قليلا فقد توقف تقدم النار ناحيتنا، ولكنهم أكدوا ان توقعات الأحوال الجوية تقول ان الريح قد تزداد في الصباح، ولا يعلمون الى أين تتجه ولا متى سيتم اطفاء النيران بصفة نهائية. انهم يحاولون، وقد قاموا بعمل خارق طوال الليل خلال هدأة الريح، ولايستطيعون تأكيد أين ستكون الوجهة القادمة للنار مع صديقها الريح في صباح اليوم التالي.
كل مايستطيعون توقعه هو أن الريح الساخنة الجافة التي يقولون أنها السبب في اندلاع هذه النيران والقادمة من سانتا آنا من المتوقع أن تتوقف غدا الثالثاء.
حل الصباح. عادت الريح ولكنها لم تكن قوية كما كانت سابقا. النيران لاتزال مشتعلة والريح تشكل مزيجا من الرعب يبعثر الحقول والغابات والبيوت والناس فيتركهم اما موتى أو جوعى أو جرحى، أو في الملاجيء التي أعدوها لهذا الغرض، أو في منازلهم منتظرين قرارات الريح والنار.
من جهتي، تمنيت كما أتمنى دائما أن يصمت بوش، فلا يعلن سان دييغو منطقة كوارث. لقد أعلن حروبا وكوارث سابقة بما يكفيه للصمت هذه المرة.
صحفي وكاتب سعودي مقيم في سان دييغو
alfaleh111@yahoo.com
المصدر / موقع ايلاف العميل
http://www.elaph.com:9090/elaph/pub/images/large/2003/oct/28/1067359267490000400.jpg
حفيد حمزة
03-11-2003, 06:25 PM
لاتزال النار مشتعلة في كاليفورنيا.. وفي قلبي!!
النار.. نهر خرافي يصب ويتمدد في جميع الاتجاهات في هذه الولاية التي كانت تعد الأغنى في الولايات المتحدة، فأصبحت الآن الأسخن والأسوأ فيها.. أرى خريطة النار التي تبثها بعض مواقع الانترنت، فتبدو لي كأنهار حمراء تشق وجه الولاية الجميل، أو الذي (كان) جميلا.
لقد تحولت كاليفورنيا الى مايشبه امرأة خارقة الجمال علقت النار في وجهها وثيابها. هاهي تصرخ وتستنجد بالولايات الأخرى وبالحكومة الفيدرالية في واشنطن. من ينقذ هذه الجميلة والنار تنشب في كل جزء منها؟ا، هاهي وقد صيرتها النيران المهولة الى كتل من الرماد والدخان تغطي كل الأماكن حتى التي لم تمسها النار. وجوه حزينة. نهار أسود. شمس حمراء. صمت. كآبة. توقف الحياة التجارية. صراخ وعويل في مواقع النار. ورجال المطافيء يتسارعون باتجاه الريح والنار والرعب.
ومسكين هذا الشوارزينغر، فما أن حط جسده على كرسي الحاكم في كاليفورنيا، حتى لحقته النار. ماذا تفيدك عضلاتك أيها الزعيم؟ انها تصغر وتتقزم في مواجهة النار وأنت تكاد تموت خوفا ولاصوت لك. عد الى سينمائياتك وعنترياتك أيها المدمر، حتى تهزم وتدمرالنار هناك في دنيا الخدع.. وليس هنا في ساحة البكاء.
سلاح الهي
ضحايا بالعشرات و أناس يعودون الى بيوتهم وفي الطريق الى المنزل لايعرفون هل احترقت السيارات أم الفناء فقط أم ماذا؟.يصلون الى منطقتهم، فلايعرفون كيف يصلون الى منازلهم، لأن وجه المنطقة كله تغير، والركن الذي كانوا يعطفون منه باتجاه المنزل تلاشى، وحتى لوحات الشوارع التي كانوا يستدلون بها على بيوتهمم. احترقت.
لقد كتبت النار قصة التيه. التهمت كل شيء. يصلون الى مواقع بيوتهم، فيبدأون بالنواح والبكاء.لقد احترق المنزل والذكريات. يحتضون بعضهم البعض مودعين بيوتهم وذكرياتهم.. (هذه الصور شاهدناها في فلسطين والعراق وأفغانستان ولكن بسلاح بشري)، مايحدث في أميركا حاليا سلاح الهي!!
قبلة النار
السفينة تغرق. تحترق و تتمزق.. مليارات الدولارات تتحول الى رماد.
يقول خبراء( النار) ان الأسوأ في هذه الكارثة من الممكن أن يحدث غدا، وبالتحديد في الثالثة عصرالأربعاء(بتوقيت سان دييغو) (العاشرة صباح الخميس بتوقيت غرينيتش)، وذلك عندما تلتقي الناربالنار.. القادمة من الجنوب بالنار النازحة من الشمال. فتحدث المأساة. عندما تلثم االنار الشمالية صديقتها الجنوبية.. تكبر النيران أكثر وأكثر، وتصعب مهمة محاربي النار، وتتحول الولاية الى جحيم حقيقي. وبانتظار قبلة النار. يغط سكان الولاية في النار والدخان والحزن والدموع معا.
http://www.elaph.com.:9090/elaph/pub/images/large/2003/oct/29/1067428787881690800.jpg
من جهتي.. قضيت أغلب يوم أمس في البحث عن مكان أتنفس فيه ، وعن كمامات لي ولعائلتي. وجدت المكان صباحا ولم أجد الكمامات. لأنه لاوجود لها فقد تحول سكان سان دييغو الى كمامات متحركة.
في حي لاهويا الراقي شمال المدينة اكتشفت وكأنني في مدينة أخرى، فلا أثر للدخان ولا للسحب القاتمة. شيء غريب.
النار تأكل القوانين
قررت أن أمضي الليلة مع عائلتي قرب بحر لاهويا ليتنفسوا هواء نقيا غير الهواء الذي تمتلىء به منطقتي بالقرب من النار. لكن الطريق الى هناك يحتاج الى كمامات، ولا وجود لها. بحثت عنها في أكثر من محل .تجاري فلم أجد، ولكم أن تتصوروا كيف غابت الكمامات في ولاية أكلت النار كل شيء.
أخيرا وقرب موعد افطار أمس، وجدت الكمامات. وقفت في صف طويل جدا لأحصل عليها في مكان يبدو وكأن الناس جاءوا لالتقاط معونات خيرية. وصلني الدور فطلبت ستة كمامات. قال لي البائع ان المسموح لك فقط أربعة، في دولة تعترف بالاقتصاد الحر وبالشراء الحر، وهاهي النار تأكل حتى النظم والقوانين. أخذت ماقرروه لي، وكانت بالضبط بعدد أفراد أسرتي. لبست كمامي فشعرت بالاختناق. لم أتعود على هذه الكتمة. خلعته بسرعة فخنقتني رائحة الحريق. عدت لارتدائه ثانية مجبرا. وفكرت كيف ستتحمله طفلتي الاثنتين؟.
http://www.elaph.com.:9090/elaph/pub/images/large/2003/oct/29/1067428880121700000.jpg
الدخان يكاد يخنقني والسماء ملبدة بالغيوم السوداء(هذا المنظر شاهدناه في العراق عنما بدأت القوات الأميركية في قصف بغداد). فسحب الدخان الأسود كانت تغطي سماء العاصمة العراقية، والحرائق في كل مكان، وبعض الأميركيين، ومعهم للأسف بعض العرب، كانوا يصفقون ويضحكون ويبتهجون لانتصار أميركا.
هاهم الأميركيون يبكون وسط النيران، فمن يضحك الآن؟
ثمة خمس قواعد عسكرية في سان دييغو انطلقت منها حاملات الطائرات والمدمرات والصواريخ التي دكت العراق وأفغانستان، وفلسطين أيضا.
انها ترتعد الآن خوفا من وصول النار؟؟؟!!!؟
صحفي وكاتب سعودي مقيم في سان دييغو
alfaleh111@yahoo.com
حفيد حمزة
03-11-2003, 06:30 PM
حدث سعيد ورائع جدا شهدته اليوم(الأربعاء) شقتي في منطقة كليرمونت بمدينة سان دييغو، التي لاتزال تئن من آثار الحرائق المشتعلة منذ خمسة أيام في ولاية كاليفورنيا، والتي خلفت وراءها 18 قتيلا حتى كتابة هذه السطور وعشرات الآلاف من المشردين ومئات الآلاف من الهكتارات الهالكة، والمئات من المنازل المدمرة، بقرار ات جماعية ومتلاحقة أفرزها امتزاج شرس بين النار وسيدنا الريح.
http://www.elaph.com:9090/elaph/pub/images/large/2003/oct/30/1067512666204168800.jpg
لم يكن الحدث ولادة مولود جديد من رحم الحرائق، ولا نجاحا في الدراسة، التي توقفت أصلا منذ ثلاثة أيام في الولاية المنكوبة. لقد كان ولادة من نوع آخر.. انها ولادة الشمس في شقتي وفي المدينة الجريحة، وهي- أي الشمس- لم نرها منذ خمسة أيام هي عمر الحريق. كانت تختبيء خلف السحب الداكنة والأدخنة التي خلفتها الحرائق الضخمة العشرة المتفرقة شمالا من سيمي فالي الى جنوبا في سان سيدرو بالقرب من الحدود الأميركية المكسيكية.
للجرح.. قلب آخر
هاهي صديقتي الشمس اذن.
انها ترسل اشعة رائعة من خلال النوافذ المغلقة باحكام في شقتي. لقد افتقدتها خمسة أيام كاملة ولأول مرة في حياتي، وكانت حياة سكان المدينة والولاية تنقسم الى أقسام مأساوية متعددة: الأول: الذين كانوا ضحايا النار، والثاني: من تلاحقه النار فينزح: والرابع من نجا من النار لكنه تعرض لآثارها، ومنهم أنا الذي عشت أياما خمسة مليئة بالقلق لا أستطيع معها الخروج من المنزل لامتلاء الجو بالأدخنة، واذ خرجت، أختبيء خلف كمام يكاد يخنقني، وأستغرب كيف يمكث رجال المطافيء خلف هذه الكمامات طوال وقتهم.
تغير وجه المدينة الآن. أطل من نافذتي فترحل عيني باتجاه الشمس أولا. أبتسم لها. أحاكيها. أحسها تغازلني بحنو. أجول بعيني الى المنازل المجاورة فأراها وقد فتحت نوافذها بعد أيام قاتمة. الابتسامات تعود. الفرح يشرق في الوجوه، وحتى العصافير التي هجرت المكان رعبا من الدخان والنار نراها تعود شيئا فشيئا. نسمع زقزقتها التي افتقدناها خمسة أيام قاتمة.
أطل على وجهي في المرآة.. أتحسسه لأتاكد أنه لايزال هناك.. فأصاب بالذعر: هذا ليس وجهي!!. لم يعد وجهي يشبهني كما لم يعد وجه المدينة.. في الكوارث تتبدل الوجوه. تتغير الروح.، وعندما تعود الشمس وتدب الحياة مرة أخرى، ترسم الشمس وجوها جديدة. تعانق سماء أخرى، ويصيح للجرخ طعم آخر، وحتى للحب... قلب آخر
مات داخل عشقه
لقد افتقدت الشمس واشتقت اليها طوال هذه الأيامز ليس بسبب سحب الماء وانما سحب النار. وبين النار والماء والريح قصة عجيبة ودراماتيكية لاتزال أحداثها ومآسيها ومشاهدها القاتمة تدور هنا في ولاية هزتها النار وغربلتها الريح وأحزنها سقوط القتلى بأسنة حمراء.
قصص مأساوية ومفجعة بدأت تخرج عندما هدأت الأنفاس قليلا(مع أن النار لم تتوقف بعد)، والمفجع أن النار كما يقول خبراؤها وخبراء الطقس من المتوقع أن تهب في أي اتجاه، اذا رغبت الريح- باذنه تعالى- في أن ترافقها الى مكان آخر، ومنها المكان الذي أعيش فيه.. (ياريح.. لا أريدك صديقتي الآن).
القصص المأساوية بدأت تنكشف من داخل البيوت المحترقة والمناطق التي مرت بها النار، ومنها تلك القصة التي تقول ان أميركيا سمع بالنداءات التي تطالب بضرورة اخلاء المنطقة فورا، وسارع الى نقل احتياجاته، ولحبه لسيارة قديمة لديه حاول اخراجها، ولكن النار لم تمهله..صرعته داخل سيارته، فمات ضحية عشقه
http://www.elaph.com:9090/elaph/pub/images/large/2003/oct/30/1067512714544169000.jpg
قصة أخرى تقول ان امرأة عجوز كانت تتابع قدوم النار الى منزلها وتنتظر اعلان منطقتها مرحلة أخرى للنزوح.. أعلنوا ضرورة نزوحها فورا.. تثاقلت بحكم عمرها فالتهمت النيران ماتبقى من أواخر العمر..
.. ورأيت وجه الوحش
في الولايات المتحدة.. شهدت عدة كوارث نجوت منها ولله الحمد، في وطني لم أشهد الا كارثة واحدة هي كارثة خروجي منه.
أولى كوارثي في الولايات المتحدة، كانت اعصارا اجتاح مدينة أورلاندو عندما كنت أزورها عام 96.. أعلنوا قبل ساعات من قدومه أنه في الطريق الى المدينة.. ونصحوا السكان اما بالمغادرة أو البقاء واتخاذ الحيطة واغلاق أماكن سكنهم مع عدم نسيان أخذ مصباح كهربائي يدوي لاحتمال انقطاع التيار، كما أكدوا ضرورة توفير الماء والأكل بمايكفي لقضاء ساعات داخل السكن.. كثيرون حولي رحلوا الى مدن أخرى.. طلب مني عدد من أصدقائي الرحيل، فماذا فعلت؟
قررت البقاء ومواجهة الاعصار.. وأتذكر أنني أغلقت باب الغرفة بعد أن أعلنوا قدومه.. شربت كأس ماء.. صليت وقرأت دعوات معروفة في مثل هذه الأحوال.. أحسست برياح عاتية قادمة باتجاهي. صوت الريح يشتد.. انه قادم. اعصار مهول. بدأت أصوات الشجر تصك أذني.. سمعت أصوات أشياء تصرخ ثم تتدحرج. قررت أن أطل من خلال زجاج النافذة المغلقة باحكام لأرى وجه الاعصار. فرأيت وجه الوحش.
وجهها.. لايعرفها
كانت الأشجارغير الأشجار والمباني غير المباني. الأشجار الصغيرة تنقلع بسهولة، والكبيرة تقاوم بعنف ويخرج منها صوت مفجع، وكأنها تصرخ لطلب النجدة قبل أن تودع أمها الأرض.
وفي لحظة.. أغمضت عيني..أغلقت الستارة.. وضعت رأسي على المخدة، ورحت في نوم عميق!!!!
ولاأزال وحتى هذه اللحظه أسأل نفسي كيف استطعت النوم وسط الاعصار؟
وأجيب دائما بأنها رحمة الله واستجابته لدعواتي، فقد منحني النوم كي لا أشاهد لحظات الموت. عندما أفقت، كان كل شيء قد انتهى.. ماتت الأشجار. مات أناس آخرون،وحلت وجوه أخرى، ونجوت أنا بفضل الله.
نظرت لوجهي في المرآة، فكان أيضا لايشبهني!
وعندما تجولت في شوارع أورلاندوبعد الكارثة.. كان وججها لايشبهها.لايعرفها
الثانية كانت زلزالا قبل سنة في سان دييغو، لكنه كان من نوع "ميني زلزال". صغير كلعبة طفل، لم يهز الا مناطق محدودة، وكأنه كان يلاعبها. هز منطقتي فاعتقدت بأنه طائرة سقطت خلفي.. شاهدت الأخبار بعد ذلك فاكتشفت بأن ماحدث كان مجرد زلزال "نونو".
الكارثة الرابعة هي النيران الحالية.أما الثالثة فكانت 11 سبتمبر.. عودوا الى ذاكرتكم وحتى أيامكم الحالية لتعرفوا مدى فداحتها
كفانا الله واياكم شرور المحن.. ماظهر منها ومابطن.
إيلاف ممنوع إعادة النشر إلا بإذن :D
http://www.elaph.com:9090/elaph/pub/images/large/2003/oct/30/1067512698654168900.jpg
حفيد حمزة
03-11-2003, 06:34 PM
كاليفورنيا أحدثكم من عين الكارثة (5/5)
نار كاليفورنيا تستعد للرحيل ستحمل حقائب من رماد وريح وعبث، وبقايا من رعب وموت وفجيعة، ثم تلوح لهم : وداعا حتى اشعار.. (قاهر)!!
لقد شردتهم.. ذرفوا دمعا ودما من لوعة النار. عاثت فيهم فسادا. مزقتهم شر ممزق. نفضت قلوبهم. غيرت ملامحهم. كتبت تاريخهم بالرماد.
وحين يكتب الرماد تاريخ المكان، يضيع .. يتحدث لغة أخرى.. يلبس صوت الفجيعة المرة.
انها بداية النهاية لقصة النار، ومهما رأيتم عبر شاشات التلفاز.. مهما قرأتمK فلن تشعروا بحجم الكارثة مثل أولئك الذين كانوا بجوارها.. وقانا الله واياكم شرور نار الدنيا والآخرة.
جاء اعلان النهاية بأمر من الريح والمطر، اللذ ين يسيرهما الخالق كيفما يشاء.. لم يأت الأمر فيدراليا من واشنطن، ولا عنتريا من رامسفيلد، ولا شيطانيا من شارون، ولا حماسيا من الحاكم السابق ديفيز، الذي تنتهي ولايته (الجمعة)، ولا عضليا من شوارزنيغر عندما يفتتح ولايته بمحاولة الدخول في لعبة النار.
http://www.elaph.com:9090/elaph/pub/images/large/2003/oct/29/1067428827221697400.jpg
لا.. لم يأت من أي من هؤلاء.. جاء من السماء.
لقد وضعوا كل امكاناتهم وعدتهم وعتادهم في الحرب مع النار، ولكنهم هزموا شر هزيمة، وعندما أراد الله لهذه النار أن تبدأ رحلة النهاية.. أرسل سحابا ثقالا هاهي تتمدد، وأراها واضحة في سماء كاليفورنيا ايذانا بنزول المطر، وقد تقرأون هذا المقال، والمطر يرسل زخاته هنا ليطفيء النار. كما أمر الله سبحانه وتعالى بهبوب ريح باردة من المحيط الهاديء أزاحت سحب الدخان وغيرت مسار النار، وجاءت أيضا الرطوبة لتخفف وطأة النار
انهم يؤكدون الآن، وبعد أن رأوا السحاب، وتقطعت بهم الأسباب أن النار تعتزم مغادرة المكان، برغم زخم الدموع ، وهول الفاجعة وعظم الخسائر.
هاهي مسؤولة قسم الغابات في كاليفورنيا أندريا توتل، تتوقع احتمال نهاية النار خلال الأسابيع القليلة المقبلة، مشيرة الى أن الرطوبة والرياح واحتمال هطول المطار بدأت تخفف مأساة النيران المشتعلة منذ السبت الماضي.
وكانت كاليفورنيا قد فجعت بالنار وراحت تطلب العون والمساعدة من واشنطن والولايات الأخرى بالمال والمعدات، كما وصلت تعزيزات من كندا للمشاركة في حرب النار.
أعداد القتلى والمفقودين تتزايد، ومساحات الأراضي والغابات والمنازل التي التهمتها النيران في ارتفاع مستمر.
واليكم آخر الأرقام التي ظهرت قبل دقائق من كتابة هذا المقال( الساعة الحادية عشرة صباحا بتوقيت سان دييغو):
واليكم آخر الأرقام التي ظهرت قبل دقائق من كتابة هذا المقال( الساعة الحادية عشرة صباحا بتوقيت سان دييغو):
- 21 قتيلا من بينهم رجل الاطفاء ستيف ووكر، الذي قتل الخميس الماضي.
-729 ألف هكتار أكلتها الحرائق.
- تدمير 2700 منزل.
- تشريد أكثر من مائة ألف شخص.
http://www.elaph.com:9090/elaph/pub/images/large/2003/oct/28/1067359222750000200.jpg
هل ندعو الله باحراق أميركا كلها؟
خلال كتابة هذه السلسلة في ايلاف، وصلتني عدة "ايميلات" تتحدث حول المقالات ونار كاليفورنيا، لكن ماأثار انتباهي، رسائل تدعو الله بأن يحرق كل أميركا ويدمرها شر تدمير"جزاء على مافعلته بالاسلام والمسلمين، وغزوها لأفغانستان والعراق ومساعدتها لاسرائيل في كل قضاياها ضد العرب والمسلمين"- كماتقول الرسائل-
وردا على هذه الدعوات، أقول أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم واتته الفرصة، ليس فقط للدعاء على أعدائه، بل لاهلاكهم واطباق الأخشبين عليهم، والأخشبان جبلان في مكة المكرمة.
وجاء جبريل عليه السلام ومعه ملك الموت فقال جبريل للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم" إن اللَّه قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك. وقد بعث اللَّه إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم"
فماذا كان رد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ هل دعا بتدمير أعدائه. هل أمر ملك الجبال بأن يطبق الجبلين على كفار مكة.؟
أترككم مع القصة:
"رجع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في طريق مكة بعد خروجه من الحائط كئيباً محزوناً كسير القلب، فلما بلغ قرن المنازل بعث اللَّه إليه جبريل ومعه ملك الجبال، يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة.
وقد روى البخاري تفصيل القصة بسنده عن عروة بن الزبير، أن عائشة رضي اللَّه عنها حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال: لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب - وهو المسمى بقرن المنازل - فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن اللَّه قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك. وقد بعث اللَّه إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال، فسلم علي ثم قال: يا محمد، ذلك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين أي لفعلت، والأخشبان هما جبلا مكة، أبو قبيس والذي يقابله وهو قعيقعان، قال النبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج اللَّه عز وجل من أصلابهم من يعبد اللَّه عز وجل وحده لا يشرك به شيئاً."
هذا مارد به النبي محمد عليه الصلاة والسلام، فماهو رد بعضنا حاليا؟
من جهتي ، أنا ضد ماتقوم به الولايات المتحدة من مساندة قوية لاسرائيل، وضد ماقامت به من غزو لأفغانستان والعراق، وهما الورطتان والمستنقعان اللذين دخلتا بهما، ولكن في ذات الوقت، أناضد قتل المدنيين والأطفال وتفجير المباني وعدم دعوة الناس الى سبيل الله بالحسنى والموعظة الحسنة.
قد يكون لآخرين رأي آخر وتفسير آخرلأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، و"ايلاف" موقع عودنا دائما على الرأي والرأي الآخر.
صحفي وكاتب سعودي مقيم في سان دييغو
alfaleh111@yahoo.com
-------------------------
رداً على هذا الكاتب أقول
قد لايجوز الدعاء على الكفرة بالموت بل بالهداية مادامو أحياء
ولكن أقول له إن الجزاء من جنس العمل
وأهلك الله الظالمين وأخرج منهم المسلمين سالين غانمين