زمردة
14-03-2002, 06:42 AM
لا يخفى على كل ذي عقل - فضلاً عن كل ذي دين سليم - أن المهدي التي تقول به فرق الشيعة غير موجود في الواقع، بل إنه لم يولد في التاريخ. وقد ذاقت الأمة ويلات كثيرة بسبب ذلك الإعتقاد الخرافي في المهدي. بل إنهم جعلوا الإيمان بالأئمة الذين اخترعوهم لأنفسهم ركناً لايتجزّأ من إيمانهم بدينهم وما تمليه عليهم أساطيرهم، والتي هي أشبه بأساطير اليونان والفرس وغيرهم من أمم الجاهلية.
خلافة على منهاج النبوة
وأما المهدي عند أهل السُّنَّة فهو رجل تلده النساء وتربيه الرجال ويعيش حياته بين الناس، لا في الكهوف - كما تدّعي الشيعة في مهديهم ولايعرفون متى يخرج، وأبشرهم أنه لن يفعل -، وإنّما هو إمام وخليفة من خلفاء المسلمين الذين يقومون بالقسط بين الناس. والذي يميّز محمد بن عبد الله المهدي عن غيره من الخلفاء المهديين هو التقاؤه مع عيسى بن مريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن نبي الله عيسى يصلي خلفه، وأن الله يصلحه في ليلة، وأنه يملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وأنه على يديه يكون الفتح الثاني للقسطنطينية وربما رومية... الخ.
ذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخلافة التي هي على منهاج النبوة في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والطيالسي عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
»تكونُ النُّبُوَّةُ فيكُم ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَكونَ، ثُمَّ يَرْفَعُها اللَّهُ إذا شاء أنْ يَرْفَعَها، ثُمَّ تَكونُ خِلافَةً عَلى مِنهاج النُّبوَّةِ، فَتَكونُ ما شاءَ اللّهُ أنْ يَكونَ، ثُمَّ يَرْفَعُها اللّهُ إذا شاء أنْ يَرْفَعَها، ثُمَّ تَكونُ مُلْكاً عاضّاً، فَتَكونُ ما شاءَ اللّهُ أنْ تَكونُ، ثُمَّ تَكونُ مُلْكاً جَبْرِيّاً، فَتَكونُ ما شاءَ اللّهُ أن تَكونَ، ثُمَّ يَرْفَعُها إذا شاءَ أنْ يَرْفَعَها، ثُمَّ تَكونُ خِلافَةً على مِنهاج النُّبوَّةِ«، ثُمَّ سَكَتَ.[1]
إنَّ سبب إيراد الحديث السابق هنا هو أن محمد بن عبد الله المهدي هو أحد خلفاء مرحلة الخلافة الثانية والتي هي على منهاج النبوة. وقد قسّم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تاريخ" هذه الأمّة إلى المراحل التالية:
1- مرحلة حكم النبوة: وكانت في حياته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
2- مرحلة الخلافة على منهاج النبوة: وهي حكم الخلفاء الراشدين، وكانت من بداية استخلاف أبي بكر رضوان الله عليه وحتى مقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن العلماء من أدخل فترة إمارة الحسن بن علي رضي الله عنهما سبط رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها. فهذه ثلاثون سنة كما نصّ بذلك الحديث الصحيح بأن الخلافة ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً.
3- مرحلة الملك العاضّ أو العضوض: وهو الحكم الذي فيه ظلم، وإن تفاوتت نسبة الظلم من حكم لآخر - : وهي مرحلة ما بعد إمارة الحسن بن علي، ويدخل فيه حكم بني أمية وبني العباس والمماليك والعثمانيين الأتراك وغيرهم، وحتى سقوط السلطنة العثمانية في مطلع القرن العشرين الميلادي. وهذا الحكم يشمل كل الدول التي تعاقبت على العالم الإسلامي بكافة مراحل تاريخة خلال هذه الفترة، ويُستثنى من ذلك حكم من كانت خلافته مشابهة للخلفاء الراشدين كخلافة عبد الله بن الزبير وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما، فَهُما قد عُدَّا من الخلفاء الذين هم من قريش والذين يلوْن أمر هذه الأمة.
4- مرحلة الحكم الجبري: والتي بدأت منذ سقوط الدولة العثمانية إلى عصرنا الحاضر، فنسأل الله تعالى أن ينهيها قريباً بِمَنّه وفضله.
والحكم الجبري هذا يحوي كل أنظمة الحكم التي قامت في العالم الإسلامي، سواء أكانت حكماً ملكياً أو وراثياً أو حِزبياً أو حكم الكفار للمسلمين، كما حصل عقيب الحرب العالمية الأولى، أو جمهورياً أو ديموقراطياً أو غيرها من أنواع الحكم التي تنازع الله عز وجل أحقية الحاكمية والتشريع.
وعندما ذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلك المراحل التي ستمرّ بها الأمة، ربَطَها بنوع الحكم الذي يحكمها، أفيه ظلم أم هو على منهاج النبوة، أم هو مما تُجبَر الأمة على قبوله.
5- مرحلة الخلافة على منهاج النبوة: وهي مرحلة لابد لها من عمل وتحضير وتضحية في سبيل الله تعالى، ونشر العلم واتباع للكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، لأنه لايصلح آخر هذه الأمة إلاّ بما صلح به أولها. وسيكون الدين في بدايتها غريباً، غربته يوم بدأ في مكة بين أسيادها وعبيدها، بين قويّها وضعيفها، وبين نسائها وصغارها. ومصدر هذه المرحلة هم غرباء هذا الدين في هذا الزمان، الذين يحملونه عن وعي وإدراك وفهم وتطبيق، ويتحملون في سبيله أشد المصائب والابتلاءات ثابتين على وصية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عندما قالَ:
»فَعَلَيْكُم بِسُنَّتي وَسُنّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيين، عَضّوا عَلَيْها بالنَّواجِذِ، وإيّاكُم وَمُحْدَثاتِ الأُمورِ، فَإنَّ كُلَّ مُحدَثَةٍ بِدْعَةُ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وكُلَّ ضَلالَةٍ في النّار«.[2]
وهؤلاء الغرباء هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بعده، وهم الذين يقاتلون في سبيل الله، ظاهرين على عدوهم وعلى من خالفهم ومن خذلهم، لايضرهم ذلك حتى يأتيَ أمر الله وهم كذلك، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يثبتنا على طريق نبيه الكريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومنهج صحابته رضوان الله عليهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المهدي ودلائل مهديَّته
إنّ أحاديث المهدي في كتب السنة منها ما هو ضعيف -مع شهرته بين الناس-، ومنها ما هو حسن وصحيح، وتعويلنا في هذا البحث إنما هو على الصحيح منها والحسن، كما بيّنه علماء الحديث الشريف.
روى أبو داود وابن ماجة والحاكم عن أمُّ سلمة رضي الله عنها بسند صحيح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
»المَهْدي مِنْ عِتْرَتي مِن وَلَدِ فاطِمَةَ «.[3]
وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
»لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا إلاّ يَومٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ اليَوْمَ حَتّى يُبْعَثَ فيهِ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ بَيْتي، يُواطِئُ اسْمُهُ إسمي، واسمُ أبيهِ اسمَ أبي، يَمْلأُ الأرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَما مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً«.[4]
و عن عبد الله بن مسعود عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
»لا تذْهَبُ الدُّنيا ولاتَنْقَضي حَتّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِن أهلِ بَيْتي يُواطِئُ اسمُهُ إسمي«.[6]
صفته الخَلْقية ومدّة حكمه
وأما صفته الخَلْقية، فقد بيَّنها رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديثه الآتي: عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
»المَهْدي مِنّي، أجْلى الجَبْهَةِ[8] ، أَقْنى الأَنْفِ[9] ، يَمْلأُ الأرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كما مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً، يَمْلِكُ سَبْعَ سِنين«.[10]
وأمّا مدَّة حكمه فقد بيّنها الحديث السابق. وفي الحديث الآخر:
»لَتُمْلأَنَّ الأرضُ جَوْراً وظُلْماً، فإذا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً يَبْعَثُ اللّهُ رَجُلاً مِنّي إسمُهُ إسمي، وإسمُ أبيهِ إسمُ أبي، فَيَمْلَؤها عَدْلاً وقِسْطاً، يَمْكُثُ فيكُم سَبْعاً أو ثَمانِيَاً، فَإنْ أكْثَر فَتِسْعاً«.[11]
وقد روى الإمام مسلم في الصحيح عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:
»لا تَزالُ طائِفَةٌ مِنْ أُمَّتي يُقاتِلونَ عَلى الحَقِّ ظاهِرينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ: فَيَنْزِلُ عيسى بْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقولُ أميرُهُمْ: تَعالَ صَلِّ لَنا. فَيَقولُ: لا، إنَّ بَعضَكُم على بَعضٍ أُمَراء تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذهِ الأُمَّةِ«.[14]
والمهدي هو المقصود - والله أعلم - في حديثه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
»يَكونُ في آخِرِ أُمَّتي خَليفةٌ يَحْثي المالَ حَثْياً، ولايَعُدُّهُ عَدّاً«. وهو قطعة من حديث رواه الإمام مسلم في صحيحه.
وفي رواية قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
»مِنْ خُلَفائِكُم خَليفَةٌ يَحْثو المالَ حَثْيَاً ولايَعُدُّهُ عَدّاً«.[15]
وهذا إنْ دلّ على شيءٍ فَإنَّما يَدُلُّ علَى كَثْرَةِ الغَنائِمِ والفُتوحاتِ في زِمانهِ وكَثرَةِ المَلاحِمِ بَيْنَ المسلمينَ وأعْدائِهِم.[16]
بداية ظهوره
وأما بداية ظهوره فيكون بتهيئته لقيادة الأمة وصلاحه لها. يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
»المَهْدي مِنَّا أهْلَ البَيْتِ يُصْلِحُهُ اللّه في لَيْلَةٍ«[17] أي أن الله تعالى يصلحه لقيادة أمة الإسلام، والله أعلم.
وقد وصفه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصلاح عندما قال:
»وإمامهم رجلٌ صالِحٌ...« الحديث، وسيأتي.
ثم ينكشف أمر المهدي عند حكّام ذلك الزمان، فيهرب إلى مكّة مع بعض الناس ليحتمي بالبيت، وليس معهم عدة ولاعدد ولامنعة، ويُبعَث خلفه جيش لقتله والتخلص منه، والدليل هو ما رواه الإمام مسلم في الصحيح عن أم سلمة قالت: قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
»يَعوذُ عائِذٌ بِالبَيْتِ فَيُبْعَثُ إلَيهِ بَعْثٌ، فِإذا كانوا بِبَيْداءَ مِنَ الأرْضِ خُسِفَ بِهِم. فَقُلتُ: يارسولَ اللّهِ فَكَيْفَ بِمَنْ كانَ كارِهاً؟ قالَ: يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُم، ولَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى نِيَّتِهِ«.[18]
وروى مسلم أيضاً عن عبد الله بن صفوان قال: أخبرتني حفصة أنها سمعتِ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:
»لَيَؤُمَّنَّ هذا البَيْتَ جَيشٌ يَغزونَهُ، حَتّى إذا كانوا بِبَيْداءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوْسَطِهِم، ويُنادي أَوَّلُهُم آخِرَهُم ثُمَّ يُخْسَفُ بِهِم، فَلا يَبْقى إلاّ الشَّريدُ الَّذي يُخْبِرُ عَنْهُم«.[19] وفي رواية عن يوسف بن ماهك قال: أخبرني عبد الله بن صفوان عن أم المؤمنين أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
»سَيَعوذُ بِهَذا البَيْتِ - يعني الكعبة - قَومٌ لَيسَ لَهُم مَنَعةٌ ولاعَدَدٌ ولاعُدّةٌ، يُبْعَثُ إلَيْهِم جَيشٌ حَتّى إذا كانوا بِبَيْداءَ مِنَ الأرْضِ خُسِفَ بِهِم«. قال يوسف : وأهل الشام يومئذ يسيرون إلى مكة، فقال عبد الله بن صفوان : أما والله ما هو بهذا الجيش.[20]
ويروي مسلم عن عبد الله بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت: عَبَثَ رسولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مَنامِهِ، فَقُلْنا: يارسولَ اللّهِ صَنَعْتَ شَيْئاً في مَنامِكَ لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ. فَقال: »العَجَبُ أنّ ناساً مِنْ أُمَّتي يَؤُمُّونَ بِالبَيْتِ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ لَجَأَ بِالبَيْتِ حَتّى إذا كانوا بِبَيْداءَ خُسِفَ بِهِم«. فَقُلنا: يارَسولَ اللَّهِ، إنَّ الطَّريقَ قد يَجْمَعُ النّاسَ. قال: »نَعَم، فيهُمُ المُسْتَبْصِرُ والمَجْبورُ وَابْنُ السَّبيلِ، يَهْلِكونَ مَهْلَكاً واحِداً ويَصْدُرونَ مَصادِرَ شَتّى، يَبْعَثُهُمُ اللّهُ عَلى نِيّاتِهِم«.[21]
فهذا جيش يُبعَث في إثر المهدي للتخلص منه وممن معه من المؤمنين، فيلجأون إلى البيت الحرام محتمين به، ويخسَف بهذا الجيش ببيداء من الأرض، وهي بيداء المدينة، وهي الشرف الذي قدّام ذي الحليفة، أي من جهة مكّة، وهي أرض ملساء.
وروى أحمد والطبراني عن أم سلمة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
»طائِفَةٌ مِنْ أُمَّتي يُخْسَفُ بِهِم، يُبْعَثونَ إلى رَجُلٍ فَيَأتي مَكّةَ، فَيَمْنَعُهُ اللّهُ مِنْهُمْ ويُخْسَفُ بِهِم، مَصْرَعُهُم واحِدٌ وَمَصادِرُهُم شَتّى. إنَّ مِنْهُم مَنْ يَكْرَهُ فَيَجِيءُ مُكْرَهَاً«.[22]
خلافة على منهاج النبوة
وأما المهدي عند أهل السُّنَّة فهو رجل تلده النساء وتربيه الرجال ويعيش حياته بين الناس، لا في الكهوف - كما تدّعي الشيعة في مهديهم ولايعرفون متى يخرج، وأبشرهم أنه لن يفعل -، وإنّما هو إمام وخليفة من خلفاء المسلمين الذين يقومون بالقسط بين الناس. والذي يميّز محمد بن عبد الله المهدي عن غيره من الخلفاء المهديين هو التقاؤه مع عيسى بن مريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن نبي الله عيسى يصلي خلفه، وأن الله يصلحه في ليلة، وأنه يملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وأنه على يديه يكون الفتح الثاني للقسطنطينية وربما رومية... الخ.
ذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخلافة التي هي على منهاج النبوة في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والطيالسي عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
»تكونُ النُّبُوَّةُ فيكُم ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَكونَ، ثُمَّ يَرْفَعُها اللَّهُ إذا شاء أنْ يَرْفَعَها، ثُمَّ تَكونُ خِلافَةً عَلى مِنهاج النُّبوَّةِ، فَتَكونُ ما شاءَ اللّهُ أنْ يَكونَ، ثُمَّ يَرْفَعُها اللّهُ إذا شاء أنْ يَرْفَعَها، ثُمَّ تَكونُ مُلْكاً عاضّاً، فَتَكونُ ما شاءَ اللّهُ أنْ تَكونُ، ثُمَّ تَكونُ مُلْكاً جَبْرِيّاً، فَتَكونُ ما شاءَ اللّهُ أن تَكونَ، ثُمَّ يَرْفَعُها إذا شاءَ أنْ يَرْفَعَها، ثُمَّ تَكونُ خِلافَةً على مِنهاج النُّبوَّةِ«، ثُمَّ سَكَتَ.[1]
إنَّ سبب إيراد الحديث السابق هنا هو أن محمد بن عبد الله المهدي هو أحد خلفاء مرحلة الخلافة الثانية والتي هي على منهاج النبوة. وقد قسّم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تاريخ" هذه الأمّة إلى المراحل التالية:
1- مرحلة حكم النبوة: وكانت في حياته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
2- مرحلة الخلافة على منهاج النبوة: وهي حكم الخلفاء الراشدين، وكانت من بداية استخلاف أبي بكر رضوان الله عليه وحتى مقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن العلماء من أدخل فترة إمارة الحسن بن علي رضي الله عنهما سبط رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها. فهذه ثلاثون سنة كما نصّ بذلك الحديث الصحيح بأن الخلافة ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً.
3- مرحلة الملك العاضّ أو العضوض: وهو الحكم الذي فيه ظلم، وإن تفاوتت نسبة الظلم من حكم لآخر - : وهي مرحلة ما بعد إمارة الحسن بن علي، ويدخل فيه حكم بني أمية وبني العباس والمماليك والعثمانيين الأتراك وغيرهم، وحتى سقوط السلطنة العثمانية في مطلع القرن العشرين الميلادي. وهذا الحكم يشمل كل الدول التي تعاقبت على العالم الإسلامي بكافة مراحل تاريخة خلال هذه الفترة، ويُستثنى من ذلك حكم من كانت خلافته مشابهة للخلفاء الراشدين كخلافة عبد الله بن الزبير وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما، فَهُما قد عُدَّا من الخلفاء الذين هم من قريش والذين يلوْن أمر هذه الأمة.
4- مرحلة الحكم الجبري: والتي بدأت منذ سقوط الدولة العثمانية إلى عصرنا الحاضر، فنسأل الله تعالى أن ينهيها قريباً بِمَنّه وفضله.
والحكم الجبري هذا يحوي كل أنظمة الحكم التي قامت في العالم الإسلامي، سواء أكانت حكماً ملكياً أو وراثياً أو حِزبياً أو حكم الكفار للمسلمين، كما حصل عقيب الحرب العالمية الأولى، أو جمهورياً أو ديموقراطياً أو غيرها من أنواع الحكم التي تنازع الله عز وجل أحقية الحاكمية والتشريع.
وعندما ذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلك المراحل التي ستمرّ بها الأمة، ربَطَها بنوع الحكم الذي يحكمها، أفيه ظلم أم هو على منهاج النبوة، أم هو مما تُجبَر الأمة على قبوله.
5- مرحلة الخلافة على منهاج النبوة: وهي مرحلة لابد لها من عمل وتحضير وتضحية في سبيل الله تعالى، ونشر العلم واتباع للكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، لأنه لايصلح آخر هذه الأمة إلاّ بما صلح به أولها. وسيكون الدين في بدايتها غريباً، غربته يوم بدأ في مكة بين أسيادها وعبيدها، بين قويّها وضعيفها، وبين نسائها وصغارها. ومصدر هذه المرحلة هم غرباء هذا الدين في هذا الزمان، الذين يحملونه عن وعي وإدراك وفهم وتطبيق، ويتحملون في سبيله أشد المصائب والابتلاءات ثابتين على وصية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عندما قالَ:
»فَعَلَيْكُم بِسُنَّتي وَسُنّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيين، عَضّوا عَلَيْها بالنَّواجِذِ، وإيّاكُم وَمُحْدَثاتِ الأُمورِ، فَإنَّ كُلَّ مُحدَثَةٍ بِدْعَةُ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وكُلَّ ضَلالَةٍ في النّار«.[2]
وهؤلاء الغرباء هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بعده، وهم الذين يقاتلون في سبيل الله، ظاهرين على عدوهم وعلى من خالفهم ومن خذلهم، لايضرهم ذلك حتى يأتيَ أمر الله وهم كذلك، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يثبتنا على طريق نبيه الكريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومنهج صحابته رضوان الله عليهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المهدي ودلائل مهديَّته
إنّ أحاديث المهدي في كتب السنة منها ما هو ضعيف -مع شهرته بين الناس-، ومنها ما هو حسن وصحيح، وتعويلنا في هذا البحث إنما هو على الصحيح منها والحسن، كما بيّنه علماء الحديث الشريف.
روى أبو داود وابن ماجة والحاكم عن أمُّ سلمة رضي الله عنها بسند صحيح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
»المَهْدي مِنْ عِتْرَتي مِن وَلَدِ فاطِمَةَ «.[3]
وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
»لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا إلاّ يَومٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ اليَوْمَ حَتّى يُبْعَثَ فيهِ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ بَيْتي، يُواطِئُ اسْمُهُ إسمي، واسمُ أبيهِ اسمَ أبي، يَمْلأُ الأرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَما مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً«.[4]
و عن عبد الله بن مسعود عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
»لا تذْهَبُ الدُّنيا ولاتَنْقَضي حَتّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِن أهلِ بَيْتي يُواطِئُ اسمُهُ إسمي«.[6]
صفته الخَلْقية ومدّة حكمه
وأما صفته الخَلْقية، فقد بيَّنها رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديثه الآتي: عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
»المَهْدي مِنّي، أجْلى الجَبْهَةِ[8] ، أَقْنى الأَنْفِ[9] ، يَمْلأُ الأرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كما مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً، يَمْلِكُ سَبْعَ سِنين«.[10]
وأمّا مدَّة حكمه فقد بيّنها الحديث السابق. وفي الحديث الآخر:
»لَتُمْلأَنَّ الأرضُ جَوْراً وظُلْماً، فإذا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً يَبْعَثُ اللّهُ رَجُلاً مِنّي إسمُهُ إسمي، وإسمُ أبيهِ إسمُ أبي، فَيَمْلَؤها عَدْلاً وقِسْطاً، يَمْكُثُ فيكُم سَبْعاً أو ثَمانِيَاً، فَإنْ أكْثَر فَتِسْعاً«.[11]
وقد روى الإمام مسلم في الصحيح عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:
»لا تَزالُ طائِفَةٌ مِنْ أُمَّتي يُقاتِلونَ عَلى الحَقِّ ظاهِرينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ: فَيَنْزِلُ عيسى بْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقولُ أميرُهُمْ: تَعالَ صَلِّ لَنا. فَيَقولُ: لا، إنَّ بَعضَكُم على بَعضٍ أُمَراء تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذهِ الأُمَّةِ«.[14]
والمهدي هو المقصود - والله أعلم - في حديثه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
»يَكونُ في آخِرِ أُمَّتي خَليفةٌ يَحْثي المالَ حَثْياً، ولايَعُدُّهُ عَدّاً«. وهو قطعة من حديث رواه الإمام مسلم في صحيحه.
وفي رواية قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
»مِنْ خُلَفائِكُم خَليفَةٌ يَحْثو المالَ حَثْيَاً ولايَعُدُّهُ عَدّاً«.[15]
وهذا إنْ دلّ على شيءٍ فَإنَّما يَدُلُّ علَى كَثْرَةِ الغَنائِمِ والفُتوحاتِ في زِمانهِ وكَثرَةِ المَلاحِمِ بَيْنَ المسلمينَ وأعْدائِهِم.[16]
بداية ظهوره
وأما بداية ظهوره فيكون بتهيئته لقيادة الأمة وصلاحه لها. يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
»المَهْدي مِنَّا أهْلَ البَيْتِ يُصْلِحُهُ اللّه في لَيْلَةٍ«[17] أي أن الله تعالى يصلحه لقيادة أمة الإسلام، والله أعلم.
وقد وصفه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصلاح عندما قال:
»وإمامهم رجلٌ صالِحٌ...« الحديث، وسيأتي.
ثم ينكشف أمر المهدي عند حكّام ذلك الزمان، فيهرب إلى مكّة مع بعض الناس ليحتمي بالبيت، وليس معهم عدة ولاعدد ولامنعة، ويُبعَث خلفه جيش لقتله والتخلص منه، والدليل هو ما رواه الإمام مسلم في الصحيح عن أم سلمة قالت: قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
»يَعوذُ عائِذٌ بِالبَيْتِ فَيُبْعَثُ إلَيهِ بَعْثٌ، فِإذا كانوا بِبَيْداءَ مِنَ الأرْضِ خُسِفَ بِهِم. فَقُلتُ: يارسولَ اللّهِ فَكَيْفَ بِمَنْ كانَ كارِهاً؟ قالَ: يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُم، ولَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى نِيَّتِهِ«.[18]
وروى مسلم أيضاً عن عبد الله بن صفوان قال: أخبرتني حفصة أنها سمعتِ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:
»لَيَؤُمَّنَّ هذا البَيْتَ جَيشٌ يَغزونَهُ، حَتّى إذا كانوا بِبَيْداءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوْسَطِهِم، ويُنادي أَوَّلُهُم آخِرَهُم ثُمَّ يُخْسَفُ بِهِم، فَلا يَبْقى إلاّ الشَّريدُ الَّذي يُخْبِرُ عَنْهُم«.[19] وفي رواية عن يوسف بن ماهك قال: أخبرني عبد الله بن صفوان عن أم المؤمنين أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
»سَيَعوذُ بِهَذا البَيْتِ - يعني الكعبة - قَومٌ لَيسَ لَهُم مَنَعةٌ ولاعَدَدٌ ولاعُدّةٌ، يُبْعَثُ إلَيْهِم جَيشٌ حَتّى إذا كانوا بِبَيْداءَ مِنَ الأرْضِ خُسِفَ بِهِم«. قال يوسف : وأهل الشام يومئذ يسيرون إلى مكة، فقال عبد الله بن صفوان : أما والله ما هو بهذا الجيش.[20]
ويروي مسلم عن عبد الله بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت: عَبَثَ رسولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مَنامِهِ، فَقُلْنا: يارسولَ اللّهِ صَنَعْتَ شَيْئاً في مَنامِكَ لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ. فَقال: »العَجَبُ أنّ ناساً مِنْ أُمَّتي يَؤُمُّونَ بِالبَيْتِ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ لَجَأَ بِالبَيْتِ حَتّى إذا كانوا بِبَيْداءَ خُسِفَ بِهِم«. فَقُلنا: يارَسولَ اللَّهِ، إنَّ الطَّريقَ قد يَجْمَعُ النّاسَ. قال: »نَعَم، فيهُمُ المُسْتَبْصِرُ والمَجْبورُ وَابْنُ السَّبيلِ، يَهْلِكونَ مَهْلَكاً واحِداً ويَصْدُرونَ مَصادِرَ شَتّى، يَبْعَثُهُمُ اللّهُ عَلى نِيّاتِهِم«.[21]
فهذا جيش يُبعَث في إثر المهدي للتخلص منه وممن معه من المؤمنين، فيلجأون إلى البيت الحرام محتمين به، ويخسَف بهذا الجيش ببيداء من الأرض، وهي بيداء المدينة، وهي الشرف الذي قدّام ذي الحليفة، أي من جهة مكّة، وهي أرض ملساء.
وروى أحمد والطبراني عن أم سلمة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
»طائِفَةٌ مِنْ أُمَّتي يُخْسَفُ بِهِم، يُبْعَثونَ إلى رَجُلٍ فَيَأتي مَكّةَ، فَيَمْنَعُهُ اللّهُ مِنْهُمْ ويُخْسَفُ بِهِم، مَصْرَعُهُم واحِدٌ وَمَصادِرُهُم شَتّى. إنَّ مِنْهُم مَنْ يَكْرَهُ فَيَجِيءُ مُكْرَهَاً«.[22]