PDA

View Full Version : مقتطفات من سير الصحابة


أم الزبير
01-01-2002, 10:37 PM
بــــــــــــــــســم الله الــرحـمـــــــــــــن الــرحـيــــــــــــــم

أولاً : " الأســــــد فــــي بـــراثــــنــه " :-

فارس بقوتها وعظمتها تكتسح المسلمين .. تهاجمهم بجيوشها الجرارة فيذهب منهم – شهيدًا بإذن الله- أربعة آلاف رجل في يوم واحد .. في المواجهة المسماة بمعركة الجسر .. وفي المقابل أهل العراق ينقضون عهودهم والمواثيق التي اقتطعوها على أنفسهم مع أمير المؤمنين .. فيزيدون الأزمة .. ويضاعفون النكبة . وتمر بالمسلمين أيامًا من الخوف والهلع والترقب .. يتضرعون فيها إلى الله تعالى أن يكشف ما بهم ويُفَرِّج كربهم ..
وعلى الرغم من تلك المخاطر والصعاب ، إلا أن أميرهم العادل ، المأثور عنه أنه إذا سلك طريقا سلك الشيطان غيره .. الفاروق عمر الذي فرق بإسلامه بين باطل الجاهلية وضلالها .. ونور العقيدة وهداها .. ما كان لمثل هذا القائد أن يستسلم لأعدائه ويخضع لهم .. فقرر على الفور الخروج على رأس جيش من المسلمين لمواجهة الإمبراطورية الفارسية !!! ...
بجيش من المسلمين يا عمر ستواجه إمبراطورية الفرس التي بلغ شأنها عنان السماء .. ولها من القوة والعتاد ما الله به عليم ؟!!! ... فأي قائد أنت .. وأي جنود أولئك الذين تقودهم ؟ !!!
قرر الأمير الخروج .. وأمر على المدينة عليًا بن أبي طالب –كرم الله وجهه- .. فما كان من المسلمين – كدأبهم دومًا- إلا السمع والطاعة لأميرهم .. فلبوا نداء الجهاد وأخذوا يعدون العدة لذلك ... وما كاد الجيش يمضي كثيرًا عن المدينة حتى رأى أحد الصحابة وهو عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه- أنه لا تجوز المخاطرة بحياة أمير المؤمنين وقائدهم ومدير شؤونهم في هذه المرحلة الفاصلة من حياة الإسلام ... ولا بد من خروج غيره على رأس الجيش وبقائه هو في المدينة ...
من يا تُرى سيحل مكان أمير المؤمنين في هذه المهمة العظيمة ؟؟؟؟ من هو ذلك القائد الملهم الذي سيوافق على تحمل مسؤولية جسيمة كهذه في مواجهة لأعتى أعداء الدين؟؟؟ ...
وكعــادة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم " أمرهم شورى بينهم"- يستشيرون الصغير والكبير .. الغني والفقير .. وكلٌ يدلي بدلوه ويبدي رأيه بكل أدب وصراحة .. فلعل أحدهم أوسع أفقًا من بعض - أمر الفاروق بأن ينادى في الناس " الصلاة جامعة" وأرسل من يستدعي عليًا ومن معه في المدينة إلى حيث أمير المؤمنين لمناقشة الأمر والتشاور فيه .. فاجتمع المسلمون وانتهى أمرهم إلى ما نادى به الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف بأن يعود أمير المؤمنين عمر إلى المدينة ، ويتم اختيار أحد المسلمين ليكون نائبًا عنه وأميرًا للعراق وقائدًا لجيش المسلمين هناك ...
وافق أمير المؤمنين على ذلك الرأي ، وسأل الصحابة : من ترون أن نبعث إلى العراق ؟؟ فصمتوا جميعًا يفكرون .. ثم كسر عبد الرحمن بن عوف جدار صمتهم قائلًا : قد وجدته !!! فسأله عمر : من هو ؟ فقال : " الأسد في براثنه .. سعد بن مالك الزهري " ...
وأجمع المسلمون على هذا الاختيار ، فأرسل أمير المؤمنين إلى سعد بن مالك الزهري الذي هو نفسه سعد بن أبي وقاص أو كما سماه عبد الرحمن بن عوف " الأسد في براثنه" ...
فمن هو هذا الأسد .. وما هي مواقفه التي استحق بها تلك التسمية ؟؟؟؟؟؟؟؟
"الأسد في براثنه" هو سعد بن مالك بن أهيب بن مناف الزهري ، جده عم السيدة آمنة أم الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام إذا قدم عليه سعد وهو بين أصحابه يحييه ويداعبه قائلًا : " هذا خالي .. فليرني امرؤ خاله " !!!...
فكفاه فخرًا وشرفًا خؤولته لأكرم خلق الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم .
انشرح صدر سعد للإسلام وهو ابن سبع عشرة سنة ، حيث أسلم في المرحلة السرية للدعوة وكان يتحدث عن نفسه فيقول :" ... ولقد أتى علي يوم وإني لثلث الإسلام " ، أي كان ثالث أول ثلاثة سارعوا إلى الإسلام ... ولا يتنافى ذلك مع ما رُوي من أنه كان من الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق –رضي الله عنه- ، فلعله سبق بإسلامه سرًا ، ثم أعلن ذلك مع من أعلنوا بإقناع الصديق لهم ، وهم : عثمان بن عفان ، و الزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف ، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين ...
صحابينا الجليل " الأسد في براثنه " تميز عن غيره بخصلتين عظيمتين ، هما :-
* أنه كان أول من رمى بسهم في سبيل الله .
* وهو الوحيد من بين الصحابة الذي افتداه الرسول بأبويه . وكان ذلك في غزوة أحد حين قال صلى الله عليه وسلم :" ارم سعد ... فداك أبي وأمي"
فيالها من بشرى عظيمة تُزف إلى قلب سعد أن يفتديه الرسول صلى الله عليه وسلم بأبيه وأمه .. إنها لشهادة بمكانته العظيمة التي بلغها في قلب الرسول محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ...
رأى منه صلى الله عليه وسلم ذات يــوم ما سره وقرَّ عينه ، فدعا له قائلًا : " اللهم سدد رميته .. وأجب دعوته " .. وبهذا عُرِف بين أصحابه ... وعرف هو ذلك من نفسه ... فلم يكن يدعو على أحد إلّا مفوضًا إلى الله أمره ...
ومما أُثر عن إجابة دعوته ... ما رواه " عامر بن سعد " من أن سعدًا مرَّ ذات يوم برجل يسب عليًا و طلحة و الزبير ، فنصحه بالكف عن ذلك فما ازداد إلا غرورًا وتكبرًا .. فقال له :" إذن أدعو عليك " فتعجب الرجل من قوله وردَّ عليه : أراك تتهددني كأنك نبي !!! ... ولكن إيمان سعد .. ويقينه بالله .. منعاه من الرد على ذلك الرجل ، فانصرف عنه وتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم استقبل القبلة وصلى ركعتين ، رفع يديه بعدهما قائلًا :" اللهم إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سبَّ أقوامًا سبقت لهم منك الحسنى ، وأنه قد أسخطك سبه إياهم ، فاجعله آية وعبرة " ...
ياله من صدق إحساس وشفافية خُلُق ... ويالها من غضبة في الله ولله ...أترانا نغضب لله إن شتم أحدهم إخوانًا لنا ونكفه عن سبِّهم بالحسنى ؟؟؟ هل سننصحه وننتصر لإخواننا ؟؟؟
لم يمض وقت طويل على تلك الدعوة الخالصة الصادقة ... حتى انفلتت ناقة ثائرة من إحدى الدور وانطلقت مسرعة وسط زحام الناس تنشد ضالةً لها .. وما هي إلا لحظات حتى اختطفت ذلك الرجل بين قوائمها .. وما زالت تتخبطه بين رجليها حتى قضى الله عليه ...
يا للعجب العجاب !!!!!!!!!! أية صفات تلك التي بلغت بابن أبي وقاص هذه المنزلة ؟؟؟ أية مزايا تلك التي تجعله مجاب الدعوة .. موقنًا بربه مخلصًا له ؟؟؟؟ ... هذا ما سنتناوله في موضوعنا القادم من سيرة " الأسد في براثنه " ... أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم ... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...


ملاحظة : المراجع : - السيرة النبوية لابن هشام (ج 1 ، 2 )
- رجال حول الرسول لخالد محمد خالد

العهد
02-01-2002, 09:47 AM
اختي الفاضله ام الزبير

جزاك الله خير الجزاء ...

اسلوب رائع في الطرح ... بارك الله فيك

ابو عمر الفاروق
02-01-2002, 10:48 AM
جزاك الله خير يا أم الزبير
موضوع في غاية الروعة

أم الزبير
03-01-2002, 11:08 PM
أخيتي العهد .. وكما عهدناك دوما عهدا صادقة .. وهمتها متوقدة .. ولها في شح> همم الإخوان خبرة وتجربة .. جزاك الله خيرا على رأيك في الموضوع .. وكما يقال .. ه>ا جزء يسير مما عندكم ..

وجزى الله الأخ أبو عمر الفاروق على تعليقه الطيب .. ويعلم الله أنكما أثلجتما قلبي ودفعتماني بإ>نه تعالى إلى مزيد من الطرح البناء .. وإلى الملتقى في الجزء الثاني من سيرة الصحابي الجليل "الأسد في براثنه" سعد بن أبي وقاص ..

البحاري
04-01-2002, 12:19 PM
رد مقتبس من ابو عمر الفاروق
جزاك الله خير يا أم الزبير
موضوع في غاية الروعة

علو الهمة
04-01-2002, 06:53 PM
الأخت الفاضلة بارك الله فيك ها قد نفذت ماأعلتني عنه مسبقاً فجزاك الله كل خير غاليتي وننتظر المزيد من سير الصحابة بهذا الأسلوب المتميز ؛؛

أختكم علو الهمة؛؛؛