براكين
12-12-2001, 03:35 AM
عبد العزيز كامل
kamil@albayan-magazine.com
سأستأذن القارئ الكريم ـ للمرة الأولى ـ وأرجو أن لا يتكرر ذلك ـ في أن أعود إلى مقالٍ سبق أن كتبته في مجلة البيان قبل أكثر من ثلاث سنوات، في العدد (130)، وكنت قد تحدثت فيه عن بعض توقعات المراحل المقبلة في ضوء أحداث تلك الفترة، تحت عنوان: (حرب القرن القادم) وأنقل منه الآن هذه الفقرة لأستنتج منها نتائج مهمة تفيد في موضوعنا هنا.
جاء في ذلك المقال ـ بالحرف الواحد ـ وذلك بعد الضربات الجوية السابقة ضد أفغانستان والسودان عام 1419هـ/ 1998م:
(كم كانت عجيبة غريبة ومريبة تلك التصريحات التي أطلقها الرئيس الأمريكي ووزيرة خارجيته بُعيد توجيه تلك الضربات. قال كلينتون: «لقد بدأنا حربنا ضد الإرهاب.. وعلينا الاستعداد لحرب طويلة»! في حين زادت في الصراحة والوقاحة وزيرة خارجيته اليهودية (مادلين أولبرايت) فقالت: «على الأمريكيين أن يعدوا أنفسهم للحرب ضد الإرهاب.. إنها حرب القرن القادم»! بينما تحدث وزير الدفاع عن حرب تشبه الحرب العالمية الأولى والثانية.
والظاهر أن الصراع الذي بشر به (هنتنجتون) في كتابه (صراع الحضارات) والسيناريو الذي وضع خطوطه (واينبرجر) في كتابه: (الحرب القادمة) والظروف المواتية التي تحدث عنها نيكسون في كتابيه (عام 1999 نصر بلا حرب) و (اغتنموا الفرصة) والنهاية المزعومة التي نظَّر لها (فوكوياما) في كتابه: (نهاية التاريخ) يبدو أن تلك الاحتفالية الألفية قد قص شريط افتتاحها الرئيس المراهق (كلينتون)! فما هي ملامح تلك الحرب المرتقبة، أو التي أعلنت بالفعل؟
يمكننا من خلال أولى جولاتها ـ في السودان وأفغانستان ـ أن نلمح أبرز معالم تلك الحــرب فيما يلي:
* أنها ستكون صليبية عالمية، بأسلحة غربية وتوجيهات يهودية.
* أن العدو الوحيد فيها هم: الإسلاميون باعتبارهم عدو الغرب الباقي الذي لم يركع.
* أن تـلك الحــرب لـن تقيــم وزنــاً لما يسـمى بـ (الشرعية الدولية) إلا إذا خدمت أهداف تلك الحرب المعدة سلفاً.
* أنها ستكون حرباً ذرائعية، تتصيد الفرص وتصطنعها إن لم تجدها.
* أن تأييد العالم أو تنديده سيستويان، ولن يقيم الأمريكان وزناً لمعارض أياً كان.
* أنها ستدوس على سيادة الدول وحريتها في أراضيها، إذا ما تعارضت مع خطوات هذه الحرب.
* أنها ستعتمد أسلوب الغدر والمباغتة حتى لا تترك أحداً في مأمن..
أما عن هدف تلك الحرب والاستمرار فيها، فالواضح أنها ترمي إلى إبقاء المسلمين في ذيل الأمم، ومؤخرة الركب، وتجريدهم من أي قدرة على المبادرة أو المبادأة. سواء كانت على مستوى مجموع دولهم أو بعضها أو حتى على مستوى التجمعات التي تتطلع إلى الخروج من الأزمة المصيرية التي تعيشها أمتنا الإسلامية..
إن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الغربيين لا يخفون إصرارهم العنيد على فرض الحصار الحضاري على أمة الإسلام بمنعها من كل أسباب التقدم، وشغلها بمشكلاتها الداخلية والخارجية لتنعم دولة اليهود بعد ذلك بالاستقرار والقوة والعلو.
نعم! يجب ألا نتجاهل الرمز الذي تشير إليه كلمات (مادلين) و (كوهين) اليهوديين في الإلحاح على إعطاء الحرب بُعداً كونياً وزمنياً أبعد مما يتصور.. فنحن نعتقد جازمين أن وقود تلك الحرب المعلنة يُستمد من حقد اليهود.. وليست أحقادهم القديمة وتصريحاتهم العدائية بأفصح ولا أصرح من تصريحاتهم التحريضية الجديدة؛ ففي عام 1993م قال (حاييم هيرتزوج) الرئيس الإسرائيلي السابق أثناء زيارة قام بها لبريطانيا: «إن الأصولية الإسلامية هي الخطر الأكبر على العالم الحر»، وأعاد التحريض بأسلوب آخر زعيم آخر هو الهالك (رابين) فقد قال في مؤتمر لاتحاد المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة (إيباك) في إبريل/ نيسان 1993م: «إننا نريد التأكد من أن الرئيس كلينتون وفريقه يدركان تماماً خطر (الأصولية الإسلامية) والدور الإسرائيلي الحاسم في محاربتها»، واستطرد قائلاً: «إن مقاومتنا ضد الإرهابيين المسلمين القتلة مقصود منها أيضاً إيقاظ العالم الذي يرقد في سبات عميق على حقيقة أن هذا خطر جــاد وحقيقــي يهـدد السلام العالمـي، والآن نقـف ـ نحن الإسرائيليين ـ في خط النار الأول ضد الإسلام الأصولي، ونحن نطالب كل الدول وكل الشعوب أن يكرسوا انتباههم إلى الخطر الضخم الكامن في الأصولية الإسلامية». ولما جاءت الأغلبية اليهودية إلى الكونجرس الأمريكي بدأت تترجم هذه الصيحات التحذيرية إلى سياسات عملية، حتى إن رئيس مجلس النواب الأمريكي (جينجريتش) ترأس جلسة للمجلس عرض فيها برنامجاً شاملاً للسياسة المقترحة لمواجهة الأصولية الإسلامية في العالم، وضمت الجلسة التي عقدت في واشنطن ما يزيد على 400 من كبار الخبراء في الشؤون الأمنية والعسكرية، وقدم خطة من أربعة بنود تهدف إلى كسر شوكة الإسلاميين في العالم، وقال (جينجرتش) في هذا المؤتمر بالحرف الواحد: «الأصولية تعني إعلان الحرب علينا وعلى الحضارة الغربية؛ فيجب التعامل معها من واقع الحرب المعلنة). انتهى النقل.
جديد وليس بجديد:
أما ما ينبني على ذلك النقل من الرصد القديم للحدث الجديد فهو على ما يلي:
1 - أن أمريكا أعلنت تلك الحرب بالفعل قبل أن تبدأ أحداث سبتمبر/ أيلول الماضي في نيويورك وواشنطن، بل قبل أحداث كينيا وتنزانيا، وأنها اعتبرت نفسها صراحة في حالة حرب مع الإسلاميين الذين أسمتهم إرهابيين .
2 - أن اليهود في أمريكا وغيرها قد احتلوا موقعهم في (خط النار الأول) ضد المسلمين في تلك الحرب قبل أن تبدأ، وأنهم كانوا الأسبق إلى رسم معالمها ووضع برامجها والتحريض عليها انتظاراً لوجود أو إيجاد الذريعة إلى إشعالها تحت مواصفات دولية ودينية شاملة.
3 - أن وصف هذه الحرب بأنها (عالمية) وأنها (صليبية) وأنها (طويلة الأمد) وأنها أشبه في شمولها بالحربين العالميتين الأولى والثانية؛ كل ذلك قد تم التصميم عليه سلفاً قبل أن تحدث الأحداث التي من أجلها اعتبرت أمريكا أن من حقها خوض تلك الحرب، وقبل أن تتوافر الدواعي لجعلها عالمية أو صليبية أو طويلة الأمد.
4 - أن النية كانت فيما يبدو مبيتة لإشعال أوار تلك الحرب في مبتدأ القرن الجديد استغلالاً للمشاعر الدينية الألفية ـ لدى اليهود والنصارى؛ ولذلك أسمتها أولبرايت: (حرب القرن القادم)؛ وحتى يمكن بسببها إثارة شعوب الغرب ضد العرب والمسلمين وإقناعهم بأن ما سيحدث في تلك الحرب إنما هو إرادة الإله الذي قدر سلفاً أن يَهلك ثلثا العالم في حرب مدمرة بين (قوى الخير) و (قوى الشر)(1) عند حلول الألف السعيد الأخير(2)!
لقد كنت مقتنعاً ـ ولا أزال ـ أن تفجيرات أمريكا الأخيرة، حتى وإن ثبت أن لبعض العرب والمسلمين ضلعاً في تنفيذها، فإن هناك في داخل الولايات المتحدة من رفعوا لها حواجز البوابات، ودلوا فيها على دقائق الأسرار والمعلومات، وأعطوا لبدئها الضوء الأخضر بعد أن هيؤوا المسرح كاملاً، وجهزوا القفازات والأقنعة جيداً، واختاروا الأهداف والأدوات والتوقيت؛ وإلا فمن للذين نفذوا هذا العمل بتقديم الشفرات السرية والأسرار التفصيلية والمعلومات المتوافرة التي من شأنها أن تخترق عشرات بل مئات الحواجز الأمنية سياسياً وعسكرياً واستخباراتياً؛ بحيث تتهيأ الفرصة لتنفيذ مثل ذلك العمل بصورة استعراضية يصعب تنفيذ مثلها ولو في الأعمال السينمائية؟!
لا أقصد ـ بداهة ـ المسؤولين الظاهرين في الإدارة الأمريكية، ولكن الأعداء المستترين لها ولشعبها وللإنسانية بعامة، ولأهل الإسلام خاصة، وهؤلاء لن يخرجوا عن جماعات التحالف الشيطاني المعاصر، والمكون من اليهود والمتهودين، أعني الجماعات الصهيونية اليهودية والجماعات الصهيونية النصرانية البروتستانتية الإنجيلية داخل أمريكا. ولعل المراحل المقبلة تثبت صحة هذه المقولة، فلا تزال الأحداث في بدايتها.
صحيح أن نوايا شن حرب من هذا النوع متوافرة مسبقاً على المستويات العليا، ولكن ما حدث كان بمثابة شاحن تفجير لها أعطاها كل المسوغات لأن تأخذ هذا الشكل الذي بدأت به والأهداف التي ستنتهي إليها بحسب ما يعلنون.
إنه لأمر لافت ومستغرب ألا يعلن الأمريكيون منذ بدأت الأحداث وإلى الآن عن إيقاف أحد من مواطني أمريكا ـ يهوداً أو نصارى ـ حتى ولو بتهمة التسهيل أو التواطؤ أو حتى الإهمال فيما يتعلق بمسلسل التحرك لبدء عمليات نيويورك وواشنطن منذ التخطيط المحكم فيها مروراً بالإعداد الطويل لها وانتهاء بالتنفيذ الدقيق لمراحلها!! ألم توجد خلال تلك المسيرة المعقدة ولو ثغرة واحدة مرت من خلال أناس غير عرب ولا مسلمين ولو عن طريق الإهمال الجسيم؟! ذلك الإهمال الذي كان يكفي لتقديم العشرات منهم إلى المحاكمة وعلى رأسهم (جورج تينت) رئيس الاستخبارات العامة الذي بلغ الغرور به ومنه إلى حد إقحامه في حل أعقد القضايا السياسية بطريقة أمنية فيما يسمى بـ (خطة تينت) لحل القضية الفلسطينية!!
إنك تعجب أيضاً من أن السلطات الأمريكية رجحت ـ حتى كتابة هذه السطور ـ أن الضربات (البرية) في العمق الأمريكي ببكتريا الجمرة الخبيثة والتي تزامنت مع الضربات (الجوية) لأفغانستان هي من تدبير تلك الجماعات الدينية النصرانية اليمينية؛ ومع ذلك لم توقف أحداً منهم علناً للتحقيق؛ مجرد التحقيق، مع أن تلك الضربات لم تدع مؤسسة هامة من مؤسسات الدولة الأمريكية إلا ومارست معها تلك الهواية الجديدة: (القتل بالمراسلة)!
أعود فأقول: إن هناك في داخل الولايات المتحدة ـ كما يعلم كل مراقب ـ كتلة متحالفة متراصة من الجماعات والأحزاب والتنظيمات الدينية اليهودية والنصرانية، وهي المنظمة دائماً والمسلحة أحياناً؛ تترقب منذ زمن اللحظة التي تحني فيها أمريكا ظهرها كي يركبوها، وليسيروا بها وبالعالم من ورائها نحو هاوية الانتحار تحقيقاً لأساطير حولوها إلى عقائد.
سيقولون: هذه (نظرية المؤامرة)..!! وليكن؛ فهل خلا تاريخ اليهود والنصارى يوماً من التآمر؛ بل هل خلا أو سيخلو تاريخ الإنسان منذ أزمنة قابيل وأبرهة وحتى زمان الدجال وذي السويقتين الحبشي من التآمر؟!
إننا نتساءل: إلى متى سيظل سيف تلك النظرية الوهمية (نظرية المؤامرة)(1) التي لا يعرف واضعها ولا يُعرف نصها ولا روحها، ولا يُعرف متى ولا أين ولا كيف ولا لماذا وضعت؟ إلى متى سيظل هذا السيف المسلط حائلاً دون مجرد الشعور بأن هناك من يتآمر علينا؟ إنهم يستكثرون على هذه الأمة مجرد الشعور باحتمال وجود متآمرين عليها، فضلاً عن أن تواجه أو تجابه أو حتى تملك إرادة التحدي أو تمسك بزمام إدارة الصراع مع المتآمرين!
نظرية المقامرة:
صحيح أن هناك من يبالغون في اعتبار أن وراء كل حدث مؤامرة، ولكن ذلك لا يمنع من أن هناك من ينظِّرون ويخططون وينفذون المؤامرات تلو المؤامرات، والذين يتجاهلون ذلك أو ينفونه أو يميِّعون من شأن التآمر يقامرون بمستقبل الأمة، وهم أحق لذلك بأن يوصفوا بأنهم (أصحاب نظرية المقامرة)!؛ لأنهم يراهنون دائماً على صداقة الأعداء، وعلى وفاء الخونة وعلى شجاعة الجبناء وإخلاص غير الأمناء، في زمن (يخوَّن فيه الأمين ويؤتمن فيه الخائن، ويتكلم فيهم الرويبضة)(1).
فمــاذا يطلـــب أصحاب التهويـــش والتلويـــح بـ (نظرية المؤامرة)؟! من أمة تحيط بها المؤامرات من فوقها ومن تحتها وعن أيمانها وعن شمائلها بشكل متواصل منذ ما يزيد عن قرن؟!
kamil@albayan-magazine.com
سأستأذن القارئ الكريم ـ للمرة الأولى ـ وأرجو أن لا يتكرر ذلك ـ في أن أعود إلى مقالٍ سبق أن كتبته في مجلة البيان قبل أكثر من ثلاث سنوات، في العدد (130)، وكنت قد تحدثت فيه عن بعض توقعات المراحل المقبلة في ضوء أحداث تلك الفترة، تحت عنوان: (حرب القرن القادم) وأنقل منه الآن هذه الفقرة لأستنتج منها نتائج مهمة تفيد في موضوعنا هنا.
جاء في ذلك المقال ـ بالحرف الواحد ـ وذلك بعد الضربات الجوية السابقة ضد أفغانستان والسودان عام 1419هـ/ 1998م:
(كم كانت عجيبة غريبة ومريبة تلك التصريحات التي أطلقها الرئيس الأمريكي ووزيرة خارجيته بُعيد توجيه تلك الضربات. قال كلينتون: «لقد بدأنا حربنا ضد الإرهاب.. وعلينا الاستعداد لحرب طويلة»! في حين زادت في الصراحة والوقاحة وزيرة خارجيته اليهودية (مادلين أولبرايت) فقالت: «على الأمريكيين أن يعدوا أنفسهم للحرب ضد الإرهاب.. إنها حرب القرن القادم»! بينما تحدث وزير الدفاع عن حرب تشبه الحرب العالمية الأولى والثانية.
والظاهر أن الصراع الذي بشر به (هنتنجتون) في كتابه (صراع الحضارات) والسيناريو الذي وضع خطوطه (واينبرجر) في كتابه: (الحرب القادمة) والظروف المواتية التي تحدث عنها نيكسون في كتابيه (عام 1999 نصر بلا حرب) و (اغتنموا الفرصة) والنهاية المزعومة التي نظَّر لها (فوكوياما) في كتابه: (نهاية التاريخ) يبدو أن تلك الاحتفالية الألفية قد قص شريط افتتاحها الرئيس المراهق (كلينتون)! فما هي ملامح تلك الحرب المرتقبة، أو التي أعلنت بالفعل؟
يمكننا من خلال أولى جولاتها ـ في السودان وأفغانستان ـ أن نلمح أبرز معالم تلك الحــرب فيما يلي:
* أنها ستكون صليبية عالمية، بأسلحة غربية وتوجيهات يهودية.
* أن العدو الوحيد فيها هم: الإسلاميون باعتبارهم عدو الغرب الباقي الذي لم يركع.
* أن تـلك الحــرب لـن تقيــم وزنــاً لما يسـمى بـ (الشرعية الدولية) إلا إذا خدمت أهداف تلك الحرب المعدة سلفاً.
* أنها ستكون حرباً ذرائعية، تتصيد الفرص وتصطنعها إن لم تجدها.
* أن تأييد العالم أو تنديده سيستويان، ولن يقيم الأمريكان وزناً لمعارض أياً كان.
* أنها ستدوس على سيادة الدول وحريتها في أراضيها، إذا ما تعارضت مع خطوات هذه الحرب.
* أنها ستعتمد أسلوب الغدر والمباغتة حتى لا تترك أحداً في مأمن..
أما عن هدف تلك الحرب والاستمرار فيها، فالواضح أنها ترمي إلى إبقاء المسلمين في ذيل الأمم، ومؤخرة الركب، وتجريدهم من أي قدرة على المبادرة أو المبادأة. سواء كانت على مستوى مجموع دولهم أو بعضها أو حتى على مستوى التجمعات التي تتطلع إلى الخروج من الأزمة المصيرية التي تعيشها أمتنا الإسلامية..
إن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الغربيين لا يخفون إصرارهم العنيد على فرض الحصار الحضاري على أمة الإسلام بمنعها من كل أسباب التقدم، وشغلها بمشكلاتها الداخلية والخارجية لتنعم دولة اليهود بعد ذلك بالاستقرار والقوة والعلو.
نعم! يجب ألا نتجاهل الرمز الذي تشير إليه كلمات (مادلين) و (كوهين) اليهوديين في الإلحاح على إعطاء الحرب بُعداً كونياً وزمنياً أبعد مما يتصور.. فنحن نعتقد جازمين أن وقود تلك الحرب المعلنة يُستمد من حقد اليهود.. وليست أحقادهم القديمة وتصريحاتهم العدائية بأفصح ولا أصرح من تصريحاتهم التحريضية الجديدة؛ ففي عام 1993م قال (حاييم هيرتزوج) الرئيس الإسرائيلي السابق أثناء زيارة قام بها لبريطانيا: «إن الأصولية الإسلامية هي الخطر الأكبر على العالم الحر»، وأعاد التحريض بأسلوب آخر زعيم آخر هو الهالك (رابين) فقد قال في مؤتمر لاتحاد المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة (إيباك) في إبريل/ نيسان 1993م: «إننا نريد التأكد من أن الرئيس كلينتون وفريقه يدركان تماماً خطر (الأصولية الإسلامية) والدور الإسرائيلي الحاسم في محاربتها»، واستطرد قائلاً: «إن مقاومتنا ضد الإرهابيين المسلمين القتلة مقصود منها أيضاً إيقاظ العالم الذي يرقد في سبات عميق على حقيقة أن هذا خطر جــاد وحقيقــي يهـدد السلام العالمـي، والآن نقـف ـ نحن الإسرائيليين ـ في خط النار الأول ضد الإسلام الأصولي، ونحن نطالب كل الدول وكل الشعوب أن يكرسوا انتباههم إلى الخطر الضخم الكامن في الأصولية الإسلامية». ولما جاءت الأغلبية اليهودية إلى الكونجرس الأمريكي بدأت تترجم هذه الصيحات التحذيرية إلى سياسات عملية، حتى إن رئيس مجلس النواب الأمريكي (جينجريتش) ترأس جلسة للمجلس عرض فيها برنامجاً شاملاً للسياسة المقترحة لمواجهة الأصولية الإسلامية في العالم، وضمت الجلسة التي عقدت في واشنطن ما يزيد على 400 من كبار الخبراء في الشؤون الأمنية والعسكرية، وقدم خطة من أربعة بنود تهدف إلى كسر شوكة الإسلاميين في العالم، وقال (جينجرتش) في هذا المؤتمر بالحرف الواحد: «الأصولية تعني إعلان الحرب علينا وعلى الحضارة الغربية؛ فيجب التعامل معها من واقع الحرب المعلنة). انتهى النقل.
جديد وليس بجديد:
أما ما ينبني على ذلك النقل من الرصد القديم للحدث الجديد فهو على ما يلي:
1 - أن أمريكا أعلنت تلك الحرب بالفعل قبل أن تبدأ أحداث سبتمبر/ أيلول الماضي في نيويورك وواشنطن، بل قبل أحداث كينيا وتنزانيا، وأنها اعتبرت نفسها صراحة في حالة حرب مع الإسلاميين الذين أسمتهم إرهابيين .
2 - أن اليهود في أمريكا وغيرها قد احتلوا موقعهم في (خط النار الأول) ضد المسلمين في تلك الحرب قبل أن تبدأ، وأنهم كانوا الأسبق إلى رسم معالمها ووضع برامجها والتحريض عليها انتظاراً لوجود أو إيجاد الذريعة إلى إشعالها تحت مواصفات دولية ودينية شاملة.
3 - أن وصف هذه الحرب بأنها (عالمية) وأنها (صليبية) وأنها (طويلة الأمد) وأنها أشبه في شمولها بالحربين العالميتين الأولى والثانية؛ كل ذلك قد تم التصميم عليه سلفاً قبل أن تحدث الأحداث التي من أجلها اعتبرت أمريكا أن من حقها خوض تلك الحرب، وقبل أن تتوافر الدواعي لجعلها عالمية أو صليبية أو طويلة الأمد.
4 - أن النية كانت فيما يبدو مبيتة لإشعال أوار تلك الحرب في مبتدأ القرن الجديد استغلالاً للمشاعر الدينية الألفية ـ لدى اليهود والنصارى؛ ولذلك أسمتها أولبرايت: (حرب القرن القادم)؛ وحتى يمكن بسببها إثارة شعوب الغرب ضد العرب والمسلمين وإقناعهم بأن ما سيحدث في تلك الحرب إنما هو إرادة الإله الذي قدر سلفاً أن يَهلك ثلثا العالم في حرب مدمرة بين (قوى الخير) و (قوى الشر)(1) عند حلول الألف السعيد الأخير(2)!
لقد كنت مقتنعاً ـ ولا أزال ـ أن تفجيرات أمريكا الأخيرة، حتى وإن ثبت أن لبعض العرب والمسلمين ضلعاً في تنفيذها، فإن هناك في داخل الولايات المتحدة من رفعوا لها حواجز البوابات، ودلوا فيها على دقائق الأسرار والمعلومات، وأعطوا لبدئها الضوء الأخضر بعد أن هيؤوا المسرح كاملاً، وجهزوا القفازات والأقنعة جيداً، واختاروا الأهداف والأدوات والتوقيت؛ وإلا فمن للذين نفذوا هذا العمل بتقديم الشفرات السرية والأسرار التفصيلية والمعلومات المتوافرة التي من شأنها أن تخترق عشرات بل مئات الحواجز الأمنية سياسياً وعسكرياً واستخباراتياً؛ بحيث تتهيأ الفرصة لتنفيذ مثل ذلك العمل بصورة استعراضية يصعب تنفيذ مثلها ولو في الأعمال السينمائية؟!
لا أقصد ـ بداهة ـ المسؤولين الظاهرين في الإدارة الأمريكية، ولكن الأعداء المستترين لها ولشعبها وللإنسانية بعامة، ولأهل الإسلام خاصة، وهؤلاء لن يخرجوا عن جماعات التحالف الشيطاني المعاصر، والمكون من اليهود والمتهودين، أعني الجماعات الصهيونية اليهودية والجماعات الصهيونية النصرانية البروتستانتية الإنجيلية داخل أمريكا. ولعل المراحل المقبلة تثبت صحة هذه المقولة، فلا تزال الأحداث في بدايتها.
صحيح أن نوايا شن حرب من هذا النوع متوافرة مسبقاً على المستويات العليا، ولكن ما حدث كان بمثابة شاحن تفجير لها أعطاها كل المسوغات لأن تأخذ هذا الشكل الذي بدأت به والأهداف التي ستنتهي إليها بحسب ما يعلنون.
إنه لأمر لافت ومستغرب ألا يعلن الأمريكيون منذ بدأت الأحداث وإلى الآن عن إيقاف أحد من مواطني أمريكا ـ يهوداً أو نصارى ـ حتى ولو بتهمة التسهيل أو التواطؤ أو حتى الإهمال فيما يتعلق بمسلسل التحرك لبدء عمليات نيويورك وواشنطن منذ التخطيط المحكم فيها مروراً بالإعداد الطويل لها وانتهاء بالتنفيذ الدقيق لمراحلها!! ألم توجد خلال تلك المسيرة المعقدة ولو ثغرة واحدة مرت من خلال أناس غير عرب ولا مسلمين ولو عن طريق الإهمال الجسيم؟! ذلك الإهمال الذي كان يكفي لتقديم العشرات منهم إلى المحاكمة وعلى رأسهم (جورج تينت) رئيس الاستخبارات العامة الذي بلغ الغرور به ومنه إلى حد إقحامه في حل أعقد القضايا السياسية بطريقة أمنية فيما يسمى بـ (خطة تينت) لحل القضية الفلسطينية!!
إنك تعجب أيضاً من أن السلطات الأمريكية رجحت ـ حتى كتابة هذه السطور ـ أن الضربات (البرية) في العمق الأمريكي ببكتريا الجمرة الخبيثة والتي تزامنت مع الضربات (الجوية) لأفغانستان هي من تدبير تلك الجماعات الدينية النصرانية اليمينية؛ ومع ذلك لم توقف أحداً منهم علناً للتحقيق؛ مجرد التحقيق، مع أن تلك الضربات لم تدع مؤسسة هامة من مؤسسات الدولة الأمريكية إلا ومارست معها تلك الهواية الجديدة: (القتل بالمراسلة)!
أعود فأقول: إن هناك في داخل الولايات المتحدة ـ كما يعلم كل مراقب ـ كتلة متحالفة متراصة من الجماعات والأحزاب والتنظيمات الدينية اليهودية والنصرانية، وهي المنظمة دائماً والمسلحة أحياناً؛ تترقب منذ زمن اللحظة التي تحني فيها أمريكا ظهرها كي يركبوها، وليسيروا بها وبالعالم من ورائها نحو هاوية الانتحار تحقيقاً لأساطير حولوها إلى عقائد.
سيقولون: هذه (نظرية المؤامرة)..!! وليكن؛ فهل خلا تاريخ اليهود والنصارى يوماً من التآمر؛ بل هل خلا أو سيخلو تاريخ الإنسان منذ أزمنة قابيل وأبرهة وحتى زمان الدجال وذي السويقتين الحبشي من التآمر؟!
إننا نتساءل: إلى متى سيظل سيف تلك النظرية الوهمية (نظرية المؤامرة)(1) التي لا يعرف واضعها ولا يُعرف نصها ولا روحها، ولا يُعرف متى ولا أين ولا كيف ولا لماذا وضعت؟ إلى متى سيظل هذا السيف المسلط حائلاً دون مجرد الشعور بأن هناك من يتآمر علينا؟ إنهم يستكثرون على هذه الأمة مجرد الشعور باحتمال وجود متآمرين عليها، فضلاً عن أن تواجه أو تجابه أو حتى تملك إرادة التحدي أو تمسك بزمام إدارة الصراع مع المتآمرين!
نظرية المقامرة:
صحيح أن هناك من يبالغون في اعتبار أن وراء كل حدث مؤامرة، ولكن ذلك لا يمنع من أن هناك من ينظِّرون ويخططون وينفذون المؤامرات تلو المؤامرات، والذين يتجاهلون ذلك أو ينفونه أو يميِّعون من شأن التآمر يقامرون بمستقبل الأمة، وهم أحق لذلك بأن يوصفوا بأنهم (أصحاب نظرية المقامرة)!؛ لأنهم يراهنون دائماً على صداقة الأعداء، وعلى وفاء الخونة وعلى شجاعة الجبناء وإخلاص غير الأمناء، في زمن (يخوَّن فيه الأمين ويؤتمن فيه الخائن، ويتكلم فيهم الرويبضة)(1).
فمــاذا يطلـــب أصحاب التهويـــش والتلويـــح بـ (نظرية المؤامرة)؟! من أمة تحيط بها المؤامرات من فوقها ومن تحتها وعن أيمانها وعن شمائلها بشكل متواصل منذ ما يزيد عن قرن؟!