View Full Version : العلماء لم ينكروا على الحكام وكتموا العلم خوفاً على منصب ووظيفة - أحاديث وأقوال علماء
فنيان
19-02-2006, 12:37 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،
يقولون:
إن العلماء لا ينكرون على الحكام.
ويوحون من طرف خفي وجلي بـ:
أن العلماء لا يبينون الأحكام لولاة الأمر ولا ينكرون عليهم علانية أمام الناس ، فهم مقصرون في ذلك ، وكاتمون للعلم خوفاً على مناصبهم ووظائفهم .
وهذا طعن باطل من وجوه :
الوجه الأول :
أن النصيحة لولي الأمر من أهم أمور الدين،
فعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ".
قال أبونعيم الأصبهاني :" من نصح الولاة والأمراء اهتدى ومن غشهم غوى واعتدى .
فكيف يقصر العلماء في النصيحة ولا يؤدونها على وجهها ؟!!
والوجه الثاني :
أنَّ النصيحة لولي الأمر سراً أصل من أصول المنهج النبوي الذي خالفه أهل الأهواء والبدع كالخوارج : إذ الأصل في النصح لولي الأمر الإسرار بالنصيحة وعدم العلن بها،،
ويدل عليه ما رواه عِيَاض
قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :" مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَيَخْلُوَ بِهِ فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ " .
وروى شَقِيق عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ :قِيلَ لَهُ أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ فَقَالَ أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ وَاللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ ".
قال الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى - معلقاً على أثر أسامة رضي الله عنه :
لما فتحوا الشر في زمن عثمان رضي الله عنه وأنكروا على عثمان رضي الله عنه جهرة تمت الفتنة والقتال والفساد الذي لا يزال الناس في آثاره إلى اليوم حتى حصلت الفتنة بين علي ومعاوية وقتل عثمان وعلي بأسباب ذلك وقتل جم كثير من الصحابة وغيرهم بأسباب الإنكار العلني وذكر العيوب علناً حتى أبغض الناس ولي أمرهم وحتى قتلوه . نسأل الله العافية .
وعن سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ أنه قَالَ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى فقُلْتُ له : إِنَّ السُّلْطَانَ يَظْلِمُ النَّاسَ وَيَفْعَلُ بِهِمْ قَالَ فَتَنَاوَلَ يَدِي فَغَمَزَهَا بِيَدِهِ غَمْزَةً شَدِيدَةً ثُمَّ قَالَ وَيْحَكَ يَا ابْنَ جُمْهَانَ عَلَيْكَ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ عَلَيْكَ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ إِنْ كَانَ السُّلْطَانُ يَسْمَعُ مِنْكَ فَأْتِهِ فِي بَيْتِهِ فَأَخْبِرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فَإِنْ قَبِلَ مِنْـكَ وَإِلَّا فَدَعْـهُ فَإِنَّكَ لَسْتَ بِأَعْلَمَ مِنْهُ " .
فتأملوا كيف أن الصحابي الجليل ابن أبي أوفى رضي الله عنه منعه من الكلام في السلطان وأمره بنصيحته سراً دون العلانية .
وقال سعيد بن جبير : قلت لابن عباس : آمر السلطان بالمعروف ، وأنهاه عن المنكر ؟ فقال ابن عباس : إن خفت أن يقتلك فلا . قال سعيد : ثم عدت فقال لي مثل ذلك . ثم عدت فقال لي مثل ذلك . وقال ابن عباس : إن كنتَ لا بُدَّ فاعلاً ففيما بينك وبينه " .
فتدبروا موقف هذا الصحابي الجليل حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم من هذه المسألة العظيمة حيث أمره بالسرية في النصح . وقيل لمالك بن أنس : إنك تدخل على السلطان وهم يظلمون ويجورون ؟ فقال : يرحمك الله فأين التكلم بالحق .
وقال الشوكاني :" ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه ولايظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد بل كما ورد في الحديث أنه يأخذ بيده ويخلو به ويبذل له النصيحة ولا يذل سلطان الله " .
وقال أئمة الدعوة :ما يقع من ولاة الأمور من المعاصي والمخالفات التي لا توجب الكفر والخروج من الإسلام فالواجب فيها مناصحتهم على الوجه الشرعي برفق واتباع ما عليه السلف الصالح من عدم التشنيع عليهم في المجالس ومجامع الناس.
وسئل الشيخ صالح الفوزان : ما هو المنهج الصحيح في المناصحة وخاصة مناصحة الحكام أهو بالتشهير على المنابر بأفعالهم المنكرة ؟ أم مناصحتهم في السر ؟ أرجو توضيح المنهج الصحيح في هذه المسألة ؟
فأجاب حفظه الله : العصمة ليست لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم
فالحكام بشر يخطئون ولا شك أن عندهم أخطاء وليسوا معصومين
ولكن لا نتخذ من أخطائهم مجالاً للتشهير بهم ونزع اليد من طاعتهم
حتى وإن جاروا وإن ظلموا
حتى وإن عصوا
ما لم يرتكبوا كفراً بواحاً
كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم،
وإن كان عندهم معاص وعندهم جور وظلم
فإن الصبر على طاعتهم جمع للكلمة ووحدة للمسلمين وحماية لبلاد المسلمين
وفي مخالفتهم ومنابذتهم مفاسد عظيمة أعظم من المنكر الذي هم عليه يحصل ما هو أشد من المنكر الذي يصدر منهم ما دام هذا المنكر دون الكفر ودون الشرك .
ولا نقول : إنه يسكت على ما يصدر من الحكام من أخطاء ،
لا ، بل نعالج
ولكن تعالج بالطريقة السليمة بالمناصحة لهم سراً والكتابة لهم سراً .
وليست بالكتابة التي تكتب ويوقع عليها جمع كثير وتوزع على الناس
هذا لا يجوز بل تكتب كتابة سرية فيها نصيحة ،
تسلم لولي الأمر أو يكلم شفوياً
أما الكتابة التي تكتب وتصور وتوزع على الناس فهذا عمل لا يجوز؛
لأنه تشهير وهو مثل الكلام على المنابر
بل هو أشد
بل الكلام يمكن أن ينسى ولكن الكتابة تبقى وتتداولها الأيدي
فليس هذا من الحق .
وأولى من يقوم بالنصيحة لولاة الأمور هم العلماء وأصحاب الرأي والمشورة وأهل الحل والعقد
قال تعالى { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ }
فليس كل أحد من الناس يصلح لهذا الأمر
وليس الترويج للأخطاء والتشهير بها من النصيحة في شيء
بل هو من إشاعة المنكر والفاحشة في الذين آمنوا
ولا هو من منهج السلف الصالح
وإن كان قصد صاحبها حسناً طيباً وهو إنكار المنكر بزعمه
لكن ما فعله أشد منكراً مما أنكره
وقد يكون إنكار المنكر منكراً إذا كان على غير الطريقة التي شرعها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ؛
لأنه لم يتبع طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم الشرعية التي رسمها
حيث قال صلى الله عليه وسلم :"من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" .
فجعل الرسول صلى الله عليه وسلم الناس ثلاثة أقسام :
منهم : من يستطيع أن يزيل المنكر بيده وهو صاحب السلطة أي ولي الأمر أو من وكل إليه الأمر من الهيئات والأمراء والقادة .
والقسم الثاني : العالم الذي لا سلطة له فينكر بالبيان والنصيحة بالحكمة والموعظة الحسنة وإبلاغ ذوي السلطة بالطريقة الحكيمة .
والقسم الثالث : من لا علم عنده ولا سلطة فإنه ينكر بقلبه فيبغضه ويبغض أهله ويعتزلهم.
انتهى كلام الشيخ الفوزان حفظه الله،،
والوجه الثالث : أن النصيحة السلطان أمام الناس علانية بحضرته مع إمكان نصحه سراً : فضيحة وليست بنصيحة وهي محرمة لا تجوز للأمور التالية :
1- مخالفتها لحديث عياض بن غَنْم رضي الله عنه الذي فيه الأمر بالإسرار .
2- مخالفتها لآثار السلف كأسامة بن زيد وعبدالله بن أبي أوفى وغيرهما.
3- لقوله صلى الله عليه وسلم : " من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله ".
قال الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عثيمين ـ رحمه الله تعالى - :" إذا كان الكلام في الملك بغيبة أو نصحه جهراً والتشهير به من إهانته التي توعد الله فاعلها بإهانته ، فلا شك أنه يجب مراعاة ما ذكرناه ـ يريد الإسرار بالنصيحة ـ لمن استطاع نصيحتهم من العلماء الذين يَغْشَوْنَهم " .
وقال الشيخ أحمد النجمي : الإنكار العلني على الولاة أمر محدث ولم يكن من أصول السنة فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول :" ألا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله ، فليكره ما يأتي ولا ينزعن يداً من طاعة " .
هكذا يقول نبي الله صلى الله عليه وسلم إذاً فلا يجوز الإنكار العلني على المنابر ؛ لأن الأضرار التي تترتب عليه أكثر من فائدته اهـ .
والوجه الرابع : أن العلماء لا يذكرون ما يفعلونه مع الولاة للناس خوفاً من المفسدة
قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - : بيان ما نفعله مع الولاة فيه مفسدتان :
المفسدة الأولى : أن الإنسان يخشى على نفسه من الرياء فيبطل عمله .
المفسدة الثانية : أن الولاة لو لم يطيعوا صار حجة على الولاة عند العامة فثاروا وحصل مفسدة أكبر. اهـ
والوجه الخامس : أنَّ ذكر أخطاء الولاة في المجالس والمواعظ والخطب محرم لا يجوز لما يلي :
لأنها من باب إشاعة الفاحشة والله عز وجل يقول : { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } .
ولأنها غيبة وبهتان على ولي الأمر قال تعالى: { وَلاََ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا } .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ؟ قَالَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ" .
فنهى الله عز وجل ورسوله الله عليه وسلم عن الغيبة ولا شك أن الكلام في ولي الأمر من الغيبة في غيبته إن كان حقاً فإن كان كذباً فهو من البهتان . ولأن هذه الصورة تدخل في القالة بين الناس مما يترتب عليها من الفتنة والبلبلة فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ إِنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم قَالَ :" أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ : الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ " .
ولأنها تؤدي إلى سفك الدماء وإلى القتل .قال عبدا لله بن عكيم الجهني : لا أعين على دم خليفة أبداً بعد عثمان !! فقيل له : يا أًبا معبدٍ أًوَ أًعنت على دمِهِ ؟ فيقول : إِني أُعِدُّ ذِكْرَ مساويه عوناً على دمِهِ ! " .
والوجه السادس : أن نشر هذه الأمور لا ريب أنه مما يسبب الفتنة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : الفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء ، وهذا شأن الفتن ،
كما قال تعالى: { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً } وإذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله. اهـ
وقال الشيخ ابن باز - رحمه الله تعالى - : توزيع الأشرطة الخبيثة التي تدعو إلى الفرقة والاختلاف وسب ولاة الأمور والعلماء لا شك أنها من أعظم المنكرات.
والواجب الحذر منها سواء كانت جاءت من لندن من الحاقدين والجاهلين الذين باعوا دينهم وباعوا أمانتهم على الشيطان من جنس محمد المسعري ومن معه الذين أرسلوا الكثير من الأوراق الضارة المضلة والمفرقة للجماعة
يجب الحذر منهم ويجب إتلاف ما يأتي من هذه الأوراق لأنها شر وتدعو إلى الشر وما هكذا النصيحة .
فالنصيحة تكون بالثناء على ما فعل من الخير والحث على إصلاح الأوضاع والتحذير مما وقع من الشر هذه طريقة أهل الخير الناصحين لله ولعباده اهـ .
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى - : " بعض الناس ديدنه في كل مجلس يجلسه الكلام في ولاة الأمور والوقوع في أعراضهم ونشر مساوئهم وأخطائهم معرضاً بذلك عمّا لهم من محاسن أو صواب ،
ولا ريب أن سلوك هذا الطريق والوقوع في أعراض الولاة لا يزيد في الأمر إلا شدة فإنه لا يحل مشكلاً ولا يرفع مظلمة إنما يزيد البلاء بلاءاً ويوجب بغض الولاة وكراهيتهم وعدم تنفيذ أوامرهم التي يجب طاعتهم فيها " .
والوجه السابع : أن إشاعة هذه الأمور هو من باب الخروج على ولي الأمر.
قال الشيخ أحمد النجمي : اعلم أن الخروج ينقسم إلى قسمين :
خروج بالقول وهو ذكر المثالب علناً في المجامع وعلى رؤوس المنابر ؛ لأن ذلك يعد عصياناً لهم وتمرداً عليهم وإغراءاً بالخروج عليهم وزرعاً لعدم الثقة فيهم وتهييجاً للناس عليهم وهو أساس للخروج الفعلي وسبب له . اهـ.
منقول من رسالة للشيخ أحمد بازمول،،
( أبو محمد )
19-02-2006, 04:02 PM
موضوع قيّم جدا .. اتمنى من المشرفين تثبيته لفترة من الزمن ..
وجزاك الله خير اخي الكريم
فنيان
21-02-2006, 08:57 AM
وجزاك الله أخي بخير منه،،
مرورك يشرفني،،
الله ينفعنا وإياكم،،
بحمى الرحمن
21-02-2006, 09:06 PM
و لكن ..!؟؟
كيف تبرأ ذمة من لا يملك حيلة
و لا يستطيع سبيلاً إلى الإنكار
إلا من وراء جُدُرٍ ،
أن تقييد الإنكار بالإشهار أو الإسرار أمر تحكمه مقاصد الشريعة ،
و يجب ضبطه بضوابطها ،
و ينظر إليه من خلال المصالح المترتبة على القيام به ،
و المفاسد المترتبة على تركه ،
و هذا يختلف بحسب الأمور المنكرة ،
و حال المنكِر ،
و المنكَر عليه ،
و أسلوب الإنكار ،
لذلك رأينا أئمة السلف ينكرون المنكر على الحاكم
علانية تارةً ،
و خفيةً تاراتٍ أُخَر ،
فيما بينهم و بين الحاكم ،
دون أن يتحجَّر أحدهم واسعاً ،
أو يحمل الناس على رأيه مكرَهين .
إن الإنكار على الحاكم المسلم سراً هو الأصل
ما دام ذلك كافياً و كفيلاً لإحقاق الحق و دفع المنكر بأقل منه .
و هذا منهج مبرئٌ لذمة من يقدر على الوصول إلى الأمير
أو الوقوف بين يديه ليأمره بالمعروف
و ينهاه عن المنكر ،
أما إن تعذر ذلك و خُشيَ من تفشي المنكر ،
و شيوع الفاحشة في الذين آمنوا
فيعدل عن هذا الأصل إلى ما لا يتم الواجب إلا به ،
و من ذلك الإنكار علانية علَّ ذلك يبلغ من كان له قلبٌ أو ألقى السمع و هو شهيد ،
فيبذل وسعه ،
و يبرئ ذمَّته في التصدي للمنكر و أهله قبل فوات الأوان
إن تترس الأمير بحاشية السوء ،
و لم يمكن إيصال الحق إليه ،
فلا أقل من تبصير العامة بضررٍ لا يدفع بأقل من العلم به
تأمل وفقك الله لهداه
كيف ذهب الإمام النووي رحمه الله إلى تأويل الكفر البواح بالمعاصي ،
و لم يحمله على الكفر المخرج من الملة ، فضلاً عن أن يقصره عليه ،
و لم يرَ بأساً في منازعة ولاة الأمر و الاعتراض عليهم حال وقوعهم في المعاصي و المنكرات
المحققة المعروفة بما يُعلَم من قواعد الإسلام ،
شريطة أن لا يكون ذلك بالسيف ما لم يُتيقَّن خروج الحاكم من الملة بالكُليَّة .
و مع ذلك فقد نقل [ في شرح صحيح مسلم أيضاً 2 / 26 ]
عن إمام الحرمين رحمه الله القول بمشروعية التواطؤ لخلع الإمام الفاسق
بما هو أقل من الكفر و إن استلزم ذلك إشهار السلاح في وجهه و محاربته ،
حيث قال :
( قال إمام الحرمين رحمه الله:
و إذا جار والي الوقت و ظهر ظلمه و غشمه
و لم ينزجر حين زُجِرَ
عن سوء صنيعه بالقول ،
فلأهل الحلِّ و العقد التَّواطؤ على خلعه ،
و لو بشهر الأسلحة و نصب الحروب ،
هذا كلام إمام الحرمين ،
و هذا الَّذي ذكره من خلعه غريب ،
و مع هذا فهو محمول على ما إذا لم يخف منه إثارة مفسدة أعظم منه ) .
منقول بتصرف :
موضوع للدكتور . أحمد بن عبد الكريم نجيب
فيه تفصيل شافي باذن الله تعالى
بيان و تبيين لبعض ما يجب في الإنكار على السلاطين (http://www.saaid.net/Doat/Najeeb/14.htm)
فنيان
22-02-2006, 11:31 AM
الحمد لله،،
أقدم بكلام الشيخ الفوزان حيث قال:
وليس الترويج للأخطاء والتشهير بها من النصيحة في شيء
بل هو من إشاعة المنكر والفاحشة في الذين آمنوا
ولا هو من منهج السلف الصالح
وإن كان قصد صاحبها حسناً طيباً وهو إنكار المنكر بزعمه
لكن ما فعله أشد منكراً مما أنكره
1. كلام الرسول لا يعارض بكلام العلماء
جاء في كتاب التوحيد:
باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله
وقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟!
وقال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) (95) أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
عن عدي بن حاتم: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) (96) الآية. فقلت له: إنا لسنا نعبدهم قال: (أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلّون ما حرم الله، فتحلونه؟) فقلت: بلى. قال فتلك: عبادتهم) رواه أحمد، والترمذي وحسنه.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النور.
الثانية: تفسير آية براءة.
الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي.
الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان.
الخامسة: تغيّر الأحوال إلى هذه الغاية، حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين.
2. ذكر المؤلف:
الوجه الثاني :
أنَّ النصيحة لولي الأمر سراً أصل من أصول المنهج النبوي الذي خالفه أهل الأهواء والبدع كالخوارج : إذ الأصل في النصح لولي الأمر الإسرار بالنصيحة وعدم العلن بها،،
ثم بين الأدلة،،
من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وكلام أهل العلم،،
3. لقد قلت بنفسك أخي أن النووي تأول الكفر البواح بالمعاصي،،
وهذا أبعد ما يكون،،
كفر،،
وبواح،،
كيف يعقل أن يؤول إلى معاصي،،
وتأويله ليس عليه دليل،،
4. وقد نقل الإمام ابن حجر العسقلاني في فتح الباري الإجماع على حرمة الخروج على غير الكافر كفراً بواحاً معلناً ظاهراً،،
وأن الاجماع انعقد بعد خلاف،،
وهو اجماع صحيح معتبر عند أهل السنة،،
5. الإنكار من وراء جدر ليس إنكاراً أصلاً،،
القصد من النصيحة أن تبلغ،،
فإن عرف أنها لا تبلغ لا يجوز أن ينصح،،
لأنها لن تكون نصيحة،،
بل غيبة،،
6. من لم يستطع الوصول إلى السلطان،،
على الحقيقة،،
بعد بذل الوسع،،
وليس بالأوهام،،
فليس مكلفاً أصلاً بالإنكار،،
ولا أقول يسقط عنه الإنكار،،
بل لا يجب عليه،،
وليس في ذمته شيء،،
فلا يقال كيف تبرأ ذمته،،
إذ أنها بريئة أصالة!
ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها،،
وليس واجب بلا اقتدار : ولا محرم مع اضطرار
هذه من أهم قواعد أهل السنة التي يحسنها صبيان الكتاتيب،،
ولا يحسنها بعض الخائضين بالقول على الله بلا علم!
7. إن لم يستطع الوصول إلى السلطان،،
فإن غير قد وصل،،
وسيصل،،
وسيذل وسعه في ذلك،،
وصورة الأمراء المتخفين الذين لا يمكن بلوغهم من أي ناصح قليلة،،
8. وإن لم يفد النصح فإن ذلك لا يعني أن النصيحة لم تبذل،،
ولا يجوز الانتقال إلى الطرق الملتوية إذا لم تقبل النصيحة،،
فإنما على الرسول البلاغ المبين،،
9. نصرة دين الله لا تكون بمخالفته وتأويل نصوصه والخروج عن الطريق الذي رسمه،،
وما ذلك إلا استعجال للنتائج قبل أوانها،،
زهر الليالي
22-02-2006, 03:20 PM
هذا من جهة حق ولي الأمر على رعيته
ولكن ماذا عن حقوق الرعية على الحاكم
اعتقد ان كل الحكام يدوسون حقوق رعيتهم سراً وجهراً وعدواناً
الله المستعان,,,,,,,,
فنيان
22-02-2006, 08:24 PM
المسألة ليست مبايعة أو مقايضة،،،
حتى نطلب مقابلاً،،،
إنما هو طاعة لله ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم،،،
وهل حقن دماء المسلمين يطلب فيه مقابل؟!
ثم إن الله سيحاسبنا عن أعمالنا،،،
وسيحاسبهم عن أعمالهم،،،
ورحم الله أحد العلماء الأذكياء حيث قال:
أرأيت لو أن كلباً عضك؟
أوَ كنت تعضه؟!
والله المستعان،،
وفقنا الله لما يحب ويرضى،،
بحمى الرحمن
25-02-2006, 09:26 PM
رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا ..
واتقرب الى الله عز وجل بحبي وتقديري للشيخ صالح الفوزان واسأل الله ان يحسن خاتمته ...
ليس كل من أنكر منكراً على حاكم ذي سلط خارجاً عليه بمجرد الإنكار
فضلاً عن أن يكون خارجي المنهج و الفكر و المذهب
لأن الأمَّة مازالت تنكر على حكامها و ولاة أمورها سرّاً و جهراً
و لم نقف في تاريخنا المديد على من اتُّهم بالخروج
أو نسب إلى الخروج أصلاً
فضلاً عن أن ينسب إلى الخوارج ( كطائفة ) لمجرد إنكار المنكر – علانيةً - على الحاكم
و دعوته إلى العدل و الإنصاف و ردِّ المظالم و إحقاق الحق
و يشهد لهذا تبويب الإمام مسلم في صحيحه
بما يؤكد على التفريق بين الإنكار الواجب و الخروج المحرم بقوله :
بَابُ وُجُوبِ الإِنْكَارِ عَلَى الأُمَرَاءِ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ ، وَ تَرْكِ قِتَالِهِمْ .اهـ .
أنَّ النصيحة لولي الأمر سراً أصل من أصول المنهج النبوي
الذي خالفه أهل الأهواء والبدع كالخوارج ،،
نذكر جيداً أن عمر رضي الله عنه - برغم كل المهابة التي أضافها الله عليه،
وجعل من مظاهرها الجسم الطويل القوي والصوت الجهوري -
قام يوما على المنبر فخطب الناس فقال: أيها الناس اسمعوا وأطيعوا!
فقال له سلمان الفارسي رضي الله عنه:
لا سمع لك اليوم علينا ولا طاعة!
فقال عمر رضي الله عنه: ولمه؟
قال: حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به، وأنت رجل طوال لا يكفيك برد واحد
كما نال بقية المسلمين!
فلما بين له عمر رضي الله عنه أن البرد الذي ائتزر به هو برد ابنه عبد الله،
قال سلمان: الآن مُر! نسمع ونطع!
ووقف أحد المسلمين
أمام عمر -رضي الله عنه- بعد أن ألقى خطبته المشهورة في ابتداء حكمه
شاهراً سيفه يقول له- :
والله لو رأينا فيك -يا ابن الخطاب- اعوجاحاً لقوّمناه بسيوفنا،
فيقول عمر: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من يقوّم اعوجاحه بسيفه.
وخرج رضي الله عنه ذات مرة من المسجد والجارود العبدي معه،
فبينما هما خارجان إذ امرأة على ظهر الطريق،
فسلّم عليها عمر، فردّت عليه السلام،
ثم قالت: رويدك يا عمر حتى أكلمك كلمات قليلة.
قال لها: قولي.
قالت: يا عمر! عهدي بك وأنت تسمى عميراً في سوق عكاظ تصارع الفتيان،
فلم تذهب الأيام حتى سُمّيت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سُمّيت أمير المؤمنين،
فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الموت خشي الفوت،
فقال الجارود: هيه قد اجترأتِ على أمير المؤمنين.
فقال عمر: دعها، أما تعرف هذه يا جارود؟
هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من فوق سمائه،
فعمر –والله- أحرى أن يسمع كلامها.
ووقف معاوية رضي الله عنه يوماً على المنبر يقول:
اسمعوا وأطيعوا،
فقام مسلم الخولاني فقال:
لا سمع ولا طاعة،
كيف تمنع العطاء؟ وإنه ليس من كدّك، ولا من كدّ أبيك، ولا من كدّ أمك،
فغضب معاوية ونزل عن المنبر، ثم غاب برهة، ثم عاد، وقد اغتسل
ثم قال: إن أبا مسلم كلمني بكلام أغضبني، وإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
يقول: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار،
وإنما تُطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ".
وإني دخلت فاغتسلت،
وصدق أبو مسلم، إنه ليس من كدّي، ولا من كدّ أبي، فهلمّوا إلى عطائكم.
وذكر ابن الجوزي
أن عمرو بن العاص قال لرجل من المسلمين كان معه بمصر: يا منافق،
فشكاه إلى عمر بن الخطاب،
فكتب أمير المؤمنين إلى والي مصر يقول له:
أما بعد، فإن فلاناُ ذكر أنك نفّقتـه، وإني أمرته إن أقام عليك شاهدين أن يضربك أربعين،
فقام الرجل فقال: أنشد الله رجلاً سمع عمرواً نفّقني إلا قام،
فقام عامة أهل المسجد( يشهدون ضد الحاكم ))
فقال له حشم(حاشيته)عمرو: أتريد أن تضرب الأمير؟
قال: وعرض عليه الأرش (فدية مال) فرفض،
فقال عمرو: اتركوه وأمكنه من السوط، وجلس بين يديه،
فقال الرجل: أتقدر أن تُمنع مني لسلطانك؟
قال عمرو: لا،
فقال الرجل: فامض لما أُمرت به فإني أدعـك للـه).
رددت تأويل النووي للكفر البواح بالمعاصي .... وانتظر منك تفصيلا عن الكفر البواح
الإنكار من وراء جدر ليس إنكاراً أصلاً،،
القصد من النصيحة أن تبلغ،،
فرق بين اسداء نصيحة و انكار منكر
رعاك الله زدني بتوضيح حول هذا النقطة هل هي نصيحة ام انكار منكر ؟
نقل [ في شرح صحيح مسلم أيضاً 2 / 26 ]
عن إمام الحرمين رحمه الله القول
بمشروعية التواطؤ لخلع الإمام الفاسق بما هو أقل من الكفر
و إن استلزم ذلك إشهار السلاح في وجهه و محاربته
حيث قال : ( قال إمام الحرمين رحمه الله: و إذا جار والي الوقت و ظهر ظلمه و غشمه
و لم ينزجر حين زُجِرَ عن سوء صنيعه بالقول ،
فلأهل الحلِّ و العقد التَّواطؤ على خلعه ، و لو بشهر الأسلحة و نصب الحروب )
ليتك تعلق على هذا القول
ختاماً اسأل الله ان يجزيك خير المثوبة على توضيحك وتجاوبك مع طرحي
ولا حرمك الله اجر هداية صبي من خلقه
فنيان
28-02-2006, 09:21 PM
الحمد لله رب العالمين،،
والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين،،
وبعد،،
في البدء:
أحمد الله على توفيقه الذي وفقني،،
وأول توفيق الله كان:
أني نقلت آيات وأحاديث صحيحة محتجاً بها،،
وكلام أهل العلم الراسخين اعتضاداً،،
وأنت أخي الحبيب إنما أتيت بآثار عن الصحابة،،
وبعضها لا يعلم هل هو ثابت أم لا أصلاً،،
ومعلوم أن الحديث لا يعارض بما دونه فكيف بالآية؟؟
2. إن الإنكار على الإمام من وراء جدار ليس إنكاراً على الإمام،،
بل هو إنكار على الجدار!!
لو كانوا يعلمون!
3. حديث الإنكار على السلطان واضح جلي،،،
وليتك ذكرته،،
ولكن هاكه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:
أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر – أو أمير جائر،،
رواه أبو داود وسكت عنه،،
ما أدري ما معنى "عند" عند العرب هذه الأيام،،
ولكنها كانت تفيد الظرفية عند الأوائل منهم،،
وكل من أنكر على الأمراء الأولين كان إنكاراً "عندهم"،،
يعرفونهم بأسمائهم وأسماء آبائهم،،
واضعين أرواحهم على أكفهم،،
يدلون بها مع إنكارهم،،
فهنيئاً لهم جهادهم،،
أما "المجاهدون" من وراء جُدُر،،
إنما جهادهم على ما في الجدر،، (قدر الطعام)
يأكلون من أموال الكفار،،
ويحتمون وراءهم،،
ويحتكمون لمحاكمهم طلباً للجوء،،
و ..
و ..
و ..
4. روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(من كره من أميره شيئا فليصبر عليه . فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرا ، فمات عليه ، إلا مات ميتة جاهلية)
أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم،،
سؤالي هو:
كيف يكون الخروج شبراً؟؟
5. أنت قلت أن النووي أوّل،،
والتأويل المقبول هو صرف المعنى الظاهر إلى معنى آخر غير ظاهر "بدليل أو قرينة"،،
وواضح أن النووي أول،،
أين دليل التأويل،،
جاء دورك...
6. في الحديث:
(حتى تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان)،،
(حتى): تفيد الغاية، يعني لا تخرجوا إلى أن تبلغوا تلك الغاية،،
(تروا): الرؤية هي الشهادة، والشهادة لا تكون إلا بعلم يقيني جاء من طريق الحس (الحواس الخمس)،،
لا تكون من ظن ولا استنتاج،،
ولا تخرص واختلاق،،
ولاحظ واو الجمع،،
فإن فيها معتبراً للمتقين،،
(كفراً): لا تعليق!
(بواحاً): مشاعاً منتشراً ظاهراً غير خفي،،
ولا يطلق البواح على من انتشر عنه خبر دون إرادة منه مثل الفضائح التي تجري في البيوت أو المجالس ثم تنشر،،
فهذا ليس بواح،،
(عندكم): هذه تركناها للعرب،،
(فيه): في نفس الأمر،،
(من الله): من طريق الوحي،،
لا من طريق الاستنباط،،
(برهان): الدليل الواضح، (والصدقة برهان) كما في الحديث،،
7. تفريقك بين النصيحة والإنكار،،،
الإنكار من النصيحة،،
إن كان خالصاً لوجه الله،،
وكان في محله،،
8. كلام الجويني رحمه الله رأي له،،
وهو يتكلم عن أهل الحل والعقد،،
ليس صغار الطلبة،،
ولا المفكرين،،
ولا المثقفين،،
وأختم بتقديم اعتذاري عن شدة اللهجة،،
إذ أن وضوح المعنى وقوة الأسلوب مهمان عندي،،
إن وفقت في شيء منهما،،
ولأن الأسماء وهمية،،
فلا طعن ولا شتم،،
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى
فنيان
14-03-2006, 12:13 AM
قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - : بيان ما نفعله مع الولاة فيه مفسدتان :
المفسدة الأولى : أن الإنسان يخشى على نفسه من الرياء فيبطل عمله .
المفسدة الثانية : أن الولاة لو لم يطيعوا صار حجة على الولاة عند العامة فثاروا وحصل مفسدة أكبر. اهـ
فنيان
05-04-2006, 09:07 PM
يرث هذا العلم من كل خلف عدوله
عمر الغريب
06-04-2006, 12:00 AM
رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا ..
واتقرب الى الله عز وجل بحبي وتقديري للشيخ صالح الفوزان واسأل الله ان يحسن خاتمته ...
ليس كل من أنكر منكراً على حاكم ذي سلط خارجاً عليه بمجرد الإنكار
فضلاً عن أن يكون خارجي المنهج و الفكر و المذهب
لأن الأمَّة مازالت تنكر على حكامها و ولاة أمورها سرّاً و جهراً
و لم نقف في تاريخنا المديد على من اتُّهم بالخروج
أو نسب إلى الخروج أصلاً
فضلاً عن أن ينسب إلى الخوارج ( كطائفة ) لمجرد إنكار المنكر – علانيةً - على الحاكم
و دعوته إلى العدل و الإنصاف و ردِّ المظالم و إحقاق الحق
و يشهد لهذا تبويب الإمام مسلم في صحيحه
بما يؤكد على التفريق بين الإنكار الواجب و الخروج المحرم بقوله :
بَابُ وُجُوبِ الإِنْكَارِ عَلَى الأُمَرَاءِ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ ، وَ تَرْكِ قِتَالِهِمْ .اهـ .
نذكر جيداً أن عمر رضي الله عنه - برغم كل المهابة التي أضافها الله عليه،
وجعل من مظاهرها الجسم الطويل القوي والصوت الجهوري -
قام يوما على المنبر فخطب الناس فقال: أيها الناس اسمعوا وأطيعوا!
فقال له سلمان الفارسي رضي الله عنه:
لا سمع لك اليوم علينا ولا طاعة!
فقال عمر رضي الله عنه: ولمه؟
قال: حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به، وأنت رجل طوال لا يكفيك برد واحد
كما نال بقية المسلمين!
فلما بين له عمر رضي الله عنه أن البرد الذي ائتزر به هو برد ابنه عبد الله،
قال سلمان: الآن مُر! نسمع ونطع!
ووقف أحد المسلمين
أمام عمر -رضي الله عنه- بعد أن ألقى خطبته المشهورة في ابتداء حكمه
شاهراً سيفه يقول له- :
والله لو رأينا فيك -يا ابن الخطاب- اعوجاحاً لقوّمناه بسيوفنا،
فيقول عمر: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من يقوّم اعوجاحه بسيفه.
وخرج رضي الله عنه ذات مرة من المسجد والجارود العبدي معه،
فبينما هما خارجان إذ امرأة على ظهر الطريق،
فسلّم عليها عمر، فردّت عليه السلام،
ثم قالت: رويدك يا عمر حتى أكلمك كلمات قليلة.
قال لها: قولي.
قالت: يا عمر! عهدي بك وأنت تسمى عميراً في سوق عكاظ تصارع الفتيان،
فلم تذهب الأيام حتى سُمّيت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سُمّيت أمير المؤمنين،
فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الموت خشي الفوت،
فقال الجارود: هيه قد اجترأتِ على أمير المؤمنين.
فقال عمر: دعها، أما تعرف هذه يا جارود؟
هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من فوق سمائه،
فعمر –والله- أحرى أن يسمع كلامها.
ووقف معاوية رضي الله عنه يوماً على المنبر يقول:
اسمعوا وأطيعوا،
فقام مسلم الخولاني فقال:
لا سمع ولا طاعة،
كيف تمنع العطاء؟ وإنه ليس من كدّك، ولا من كدّ أبيك، ولا من كدّ أمك،
فغضب معاوية ونزل عن المنبر، ثم غاب برهة، ثم عاد، وقد اغتسل
ثم قال: إن أبا مسلم كلمني بكلام أغضبني، وإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
يقول: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار،
وإنما تُطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ".
وإني دخلت فاغتسلت،
وصدق أبو مسلم، إنه ليس من كدّي، ولا من كدّ أبي، فهلمّوا إلى عطائكم.
وذكر ابن الجوزي
أن عمرو بن العاص قال لرجل من المسلمين كان معه بمصر: يا منافق،
فشكاه إلى عمر بن الخطاب،
فكتب أمير المؤمنين إلى والي مصر يقول له:
أما بعد، فإن فلاناُ ذكر أنك نفّقتـه، وإني أمرته إن أقام عليك شاهدين أن يضربك أربعين،
فقام الرجل فقال: أنشد الله رجلاً سمع عمرواً نفّقني إلا قام،
فقام عامة أهل المسجد( يشهدون ضد الحاكم ))
فقال له حشم(حاشيته)عمرو: أتريد أن تضرب الأمير؟
قال: وعرض عليه الأرش (فدية مال) فرفض،
فقال عمرو: اتركوه وأمكنه من السوط، وجلس بين يديه،
فقال الرجل: أتقدر أن تُمنع مني لسلطانك؟
قال عمرو: لا،
فقال الرجل: فامض لما أُمرت به فإني أدعـك للـه).
رددت تأويل النووي للكفر البواح بالمعاصي .... وانتظر منك تفصيلا عن الكفر البواح
فرق بين اسداء نصيحة و انكار منكر
رعاك الله زدني بتوضيح حول هذا النقطة هل هي نصيحة ام انكار منكر ؟
نقل [ في شرح صحيح مسلم أيضاً 2 / 26 ]
عن إمام الحرمين رحمه الله القول
بمشروعية التواطؤ لخلع الإمام الفاسق بما هو أقل من الكفر
و إن استلزم ذلك إشهار السلاح في وجهه و محاربته
حيث قال : ( قال إمام الحرمين رحمه الله: و إذا جار والي الوقت و ظهر ظلمه و غشمه
و لم ينزجر حين زُجِرَ عن سوء صنيعه بالقول ،
فلأهل الحلِّ و العقد التَّواطؤ على خلعه ، و لو بشهر الأسلحة و نصب الحروب )
ليتك تعلق على هذا القول
ختاماً اسأل الله ان يجزيك خير المثوبة على توضيحك وتجاوبك مع طرحي
ولا حرمك الله اجر هداية صبي من خلقه
أخي فينان................................
لماذا تتهرب من الأجابه...............................................
قد أورد لك بحمى الرحمن صوره واضحه لمعاملة العلماء وبعض العامه للحكام
وهي دليل واضح لرد على كلامك الذي يناقض تفسير أحاديث رسولنا
محمد صلى الله عليه وسلم.......
ألا تعرف أن تفرق بين النصح والأنكار..................................
أمر آخر ليعلم الجميع.....................................
أن من حلل ماحرم الله سبحانه من الحكام فيجب الخروج عليه لأنه كافر
اليست موجوده في نواقض الأسلام........... أم أن الأمريكان غيرو المنهج
يمكن...............................................
أشرطة الغناء..... الفيديو............. الستلايت وقنوات السكس.... وووووووو
كلها تم السماح لها وما دام تم السماح تم التحليل.....؟؟؟
أقرأت العقيده......................................
هل يجوز مظاهرة الكفار على المسلمين.........................؟؟؟
وهل للنفط من طريق في السؤال...................................؟؟؟
أين رحل الجهاد.....................................................................؟؟؟
(((((((((((((( الجهاد قائم الى قيام الساعه ))))))))))))))))
أي أنه مستمر............................... أذن من هم المجاهدون الآن....؟؟؟
راجع ملفاتك ربما قديمه...................................... أو تم تغييرها؟؟؟؟
فنيان
06-04-2006, 04:53 PM
الحمد لله،،
والصلاة والسلام على رسول الله،،
وأشهد أن لا إله إلا الله،،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،،
وبعد،،
شكلك أخي العزيز غاضب لدرجة الإغلاق،،
حيث أنك لم تر ردي على الأسئلة في المشاركة التي تليها مباشرة برقم 9
قلت للأخ بحمى الرحمن أن كلامي يشهد له القرآن والسنة،،
وهو إنما أتى بمواقف للصحابة،،
ثم إن هذه المواقف جرت من الرعية في حظور الأمير،،
وليس في غيبته كما تنكر أنت الآن،،
وقد بينت الفرق بين النصح والإنكار،،
وأن الإنكار من أنواع النصح،،
في محله،،
كما أن الستر من أنواع النصح،،
كذلك في محله،،
والأخ بحمى الرحمن ينكر الخروج،،
وأنت تقول أنهم كفار ويجب الخروج،،
لأنهم "أستحلوا" بزعمك الأغاني والفديو والستلايت وقنوات ال...
ولكن هذه أحلها بعض الجماعات الإسلامية (سوى قنوات ال.. طبعاً)،،
فهل تكفرهم أيضاً؟؟
وما أدري من قال بعقيدة مثل هذه،،
"كلها تم السماح لها .. وما دام سمح لها فقد استحلها.."
هل هذا هو الاستحلال؟؟
إيتني بمن قال بهذا من الجهلاء بله من العلماء..
أما ما جاء في النواقض فمعروف،،
وليس كما قلت من التأصيل الباطل للاستحلال،،
والمظاهرة ليست كفراً في جميع الأحوال،،
بل في صور معينة ذكرها العلماء الذين "قرأوا العقيدة"،،
وأما النفط،،
فما أدري من أدخله في مسائل العقيدة قبل اليوم؟!
والجهاد ماض إلى قيام الساعة،،
كما أن الهجرة ماضية إلى قيام الساعة،،
والصلاة والزكاة وجميع شرائع الإسلام التي لم تنسخ،،
وكل هذه لا تجب إلا على المستطيع،،
وعلى من تحققت فيه الشروط،،
فأنا أسألك الآن أيها المجاهد،،
ما هي شروط الجهاد؟
وكيف تحدد فيه الاستطاعة؟
وما أدري ما علاقة نقاشك في الموضوع هذا،،
الأجدر أن تفتح مواضيع جديدة يتم فيها النقاش بدل حرف الموضوع عن مساره،،
فنيان
14-06-2006, 06:34 PM
ما زلت بانتظار ردكم الكريم وفقكم الله
المحامي
15-06-2006, 02:54 PM
بارك الله فيك اخي فنيان ..
رزقك الله علما نافعا .. وعملا صالحا ..
اخوك :
.: المحامي :.
عمر الغريب
16-06-2006, 11:34 AM
فنيان الكريم......
نأسف للتأخير عن الدخول في سوالف للجميع لإنشغالي .....
أما ماذكرته من النصح والإنكار يارعاك الله وقد بدأت بالتهجم على من أنكر علناً وكأنه
منهج السلف فعلم أن الإنكار والنصح للإمام يكون علناً وسراً كذلك وعليك هداك الله أن لاتحاول أن تقيد مسألة الإنكار فقط بالسر دون العلن فهذا أمر مخالف تماماً للواقع
ومنه سنحاول أن نوضح لك وللقراء الكرام شيء من التفصيل ولكن قبل البدايه
إعلم.... أن عملية الإنكار والنصح مسأله مرتبطه تماماً بالذنب أي...
إن كان الحاكم قد إقترف إثماً صغيراً بحيث أن ضرره ليس خطير جداً ليتعدى على حقوق
الشعب فالواجب الإنكار سراً فهو أفضل وأسلم أما إن كان ذنبه خطير جداً بحيث أن ماقام
به خطر يهدد البلاد والعباد فيجب أن ينكر عليه العلماء وأهل العقد والربط فإن لم يستجب
حرٌُض عليه الرأي العام ويفضح أمره وهذا مسنون ومستحب ....
وإليك التفاصيل....
عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : (خرجت مخاصراً مروان حتى أتينا المصلى فإذا كثير من الصلت قد بنى منيراً من طين فإذا مروان ينازعني يده كأنه يجرني نحو المنبر ، وأنا أجره نحو الصلاة ، فلما رأيت ذلك منه قلت : أين الابتداء بالصلاة ؟ فقال لا يا أبا سعيد قد ترك ما تعلم ، قلت : كلا والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم ، ثلاث مرات ثم انصرف )رواه مسلم ، وروى أيضاً عنه قال : ( إن أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال الصلاة قبل الخطبة ، فقال : قد ترك ما هنالك ، فقال أبو سعيد : أما هذا فقد قضى ما عليه ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من رأى منكم منكراً فليغيره بيده .. الحديث ) وفي هذين الحديثين أن أبا سعيد أنكر على الوالي وكذلك أنكر ذلك الرجل علناً ، قال النووي : (أو أنه خاف وخاطر بنفسه وذلك جائز بل متسحب ، ويحتمل أن أبا سعيد هَمَّ بالإنكار فبادره الرجل فعضده أبو سعيد ) وقال : ( وأما قوله فقد قضى ما عليه ففيه تصريح بالإنكار أيضاً من أبي سعيد ) (شرح مسلم 2/22) .
وقال الإمام عبدالرحمن بن أبي بكر الحنبلي في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص201 :(والمقصود انه كان من عادة السلف الإنكار على الأمراء والسلاطين والصدع بالحق وقلة المبالاة بسطوتهم إيثاراً لإقامة حق الله سبحانه على بقائهم واختيارهم لإعزاز الشرع على حفظ مُهَجهم واستسلاماً للشهادة إن حصلت لهم ) وقال : ( يجوز للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يعرض نفسه للضرب والقتل إذا كان لأمره ونهيه تأثير في رفع المنكر أو كسر جاه الفاسق أو تقوية قلوب أهل الدين ) .
ومما ذكر في التاريخ أيضاً في هذا الباب ما ذكره ابن عبدالهادي في العقود الدرية في مناقب ابن تيمية من جملة أشياء تدل على استعماله هذا المبدأ في الحسبة على الدولة ، من ذلك موقفه مع السلطان محمد بن الناصر قلاوون في أول مجلس له بعد رجوع الحكم إليه في محضر أعيان العلماء والكبراء والشيوخ والقضاة والأمراء ، وعرض على السلطان طلب من النصارى بدفع مال زيادة على ما كانوا يدفعون ليؤذن لهم بالعودة إلى ما كانوا يلبسون مثل المسلمين ، فسكت الحاضرون ، فجثا الشيخ على ركبتيه وقال للسلطان : لا تفعل وإني أعيذك أن يكون أول مراسيمك – في أول مجلس لك بعد أن عاد الله إليك الملك ونصرك على عدوك – أن تنصر فيه الكفار وتعزهم من أجل الدنيا الفانية )(1/281) .
ومن ذلك ما ذكره الذهبي في ترجمة أبي بكر النابلسي : قال أبو ذر الحافظ : سجنه بنو عبيد ، وصلبوه على السنة ، سمعت الدارقطني يذكره ويبكي ، ويقول : كان يقول وهو يسلخ : (كان ذلك في الكتاب مسطــوراً ) قال أبو الفرج بن الجوزي : أقام جوهر القائد لأبي تميم صاحب مصر أبا بكر النابلسي ، وكان ينزل الأكواخ فقال له : بلغنا أنك قلت : إذا كان مع الرجل عشرة أسهم ، وجب أن يرمي في الروم سهماً ، وفينا تسعة ، قال : ما قلت هذا ، بل قلت : إذا كان معه عشرة أسهم ، وحب أن يرميكم بتسعة ، و،ن يرمي العاشر فيكم ، أيضاً ، فإنكم غيرتم الملة ، وقتلتم الصالحين ، وادعيتم الإلهية ، فشهره ثم ضربه ، ثم أمـر يهودياً فسلخه وقيل. سلخ من مفرق رأسه حتى بلغ الوجه ، فكان يذكر الله ، ويصبر حتى بلغ الصدر ، فرحمه السلاخ فوكزه بالسكين في موضع قلبه فقضى عليه ) (سير أعلام النبلاء 16/148).
ومن ذلك أيضاً ما رواه ابن الجوزي في المنتظم عن الإمام أحمد بن بديل الكوفي وكان قاضياً قال : بعث إلي المعتز رسولاً بعد رسول فلبست عمتي ولبست نعلا طاقاً ، فأتيت بابه فقال الحاجب : يا شيخ ، نعليك ! فلم ألتفت إليه ودخلت الباب الثاني فقال الحاجب نعليك ! فلم ألتفت إليه فدخلت الباب الثالث ، فقال الحاجب : يا شيخ نعليك ! فلم ألتفت إليه ثم قلت : أبالوادي المقدس أنا فأخلع نعلي ؟ فدخلت بنعلي ، فرفع المجلس وجلست على مصلاه ، فقال أتعبناك أبا جعفر ؟ فقلت : أتعبتني وذعرتني ، فقال : ما أردنا إلا الخير ، أردنا أن نسمع العلم ، قلت : ألا جئتني ؟ فإن العلم يؤتى ولا يأتي ، قال نعتب أبا جعفر ، فقـلت : خلبتني بحسن أدبك أكتب ما شئت ، فأخذ الكتاب والدواة والقرطاس ، فقلت : أتكتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قرطاس بمداد ؟ قال : فيم أكتب ؟ قلت : في رق بحبر ، فأخذ الكتاب يريد أن يكتب ، فأمليت عليه حديثين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من استرعى رعية فلم يحطها بالنصيحة حرم الله عليه الجنة ، والثاني : ما من أمير يأمر عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً ) (12/140) .
وبالجملة فالأمثلة كثيرة ، وهى وإن كان بعضها لم تجتمع فيه شروط الصحة من جهة الإسناد ، غير أنه مما لم يعلــم كذبه فتجوز روايته تحت أصل صحيح ، ومعلوم أن قيام العلماء بواجب الإنكار العلني على السلطة مع أمن وقوع مفسدة أكبر مستفيض استفاضة تغني عن التفتيش عن إسناد كل خبر على حدة ، والنماذج من تاريخنا كثيرة جداً ، ولهذا قال الإمام عبدالرحمن بن أبي بكر الحنبلي في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 201 : ( والمقصود أنه كان من عادة السلف الإنكار على الأمراء والسلاطين والصدع بالحق وقلة المبالاة بسطوتهم إيثاراً لإعزاز الشرع على حفظ مهجهم واستسلاماً للشهادة إن حصلت لهم ) .
وأما ما يقرره بعض الباحثين من أن نقد الحاكم الجائر لا يجوز أن يكون إلا سراً في جميع الأحوال ، فليس عليه دليل يقتضي الحصـر ، حتى لو سلم صحة حديث عياض بن غنم الذي يدل على بذل النصيحة للسلطان سراً – مع أنه متكلم في إسناده – فإن سبيل الجمع بينه وبين الأحاديث التي تعارضه أن يحمل ما ورد في شأن الإسرار على ما كان من النصيحة في مخالفات الحاكم القاصرة عليه ، وما ورد في الإعلان على المنكر المتعدي كالظلم وإشاعة الفساد ونحو ذلك ، ولم يزل العلماء يوفقون بين النصوص التي يظن بينها تعارض على هذا النحو ، كما قيل في التوفيق بين أحاديث استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة ، ونقض الوضوء بلمس الذكر ، وصلاة المأمومين إذا صلى الإمام جالساً ، وأحاديث نفي العدوى مع الأمر بالفرار من المجذوم ، وما ورد في المخابرة في باب المزارعة ، ونحوها كثير ، وأما إلغاء النصوص التي عضدها عمل الفقهاء وعادة العلماء وتعطيل دلالاتها ، والتمسك بنص واحد دون سواه رضوخاً لضغط الواقع ، ثم تأويل الشرع ليوافقه ، فليس من صنيع أهل الفقه والتحقيق .
الاستفادة من أثر الرأي العام للرقابة على السلطة : :
ومن الأمثلة في التاريخ ما رواه ابن الجوزي بإسناده أن المأمون قال : لولا يزيد بن هارون لأظهرت أن القرآن مخلوق فقال بعض جلسائه : يا أمير المؤمنين ، ومن يزيد حتى يُتقى ؟ ، قال ويحك ، إني أخاف أن يرد علي ، فيختلف الناس وتكون فتنة ، وأنا أكره الفتنة ، فقال له الرجل : فأنا أخبر لك ذلك منه ، فقال له : نعم ، قال : فخرج إلى واسط ، فجاء إلى يزيد بن هارون ، فدخل عليه المسجد ، وجلس إليه فقال له : يا أبا خالد إن أمير المؤمنين يقرئك السّلام ويقول لك إني أريد أن أظهر أن القرآن مخلوق فقال : كذبت على أمير المؤمنين ، أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفون ، فإن كنت صادقاً فعد غداً إلى المجلس ، فإذا اجتمع الناس فقل ، قال : فلما كان الغد اجتمع الناس فقام ، فقال : يا أبا خالد ، رضي الله عنك ، إن أمير المؤمنين يقرئك السّلام ويقول لك : ( إني أريد أن أظهر أن القرآن مخلوق ، فما عندك في ذلك ؟ قال : كذبت في ذلك على أمير المؤمنين ، أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه وما لم يقل به أحد ، قال : فقدم فقال : يا أمير المؤمنين ، كنت أنت أعلم ، قال : وكان من القصة كيت وكيت ، فقال له : ويحك ، لعب بك ) ( المنتظم 10/158) .
وقوله : ( أنا أخبر لك ذلك منه ) يقصد به أرى إن كان الإمام يزيد بن هارون سيستعمل قدرته على التأثير على الرأي العام ضد السلطة فيما لو أظهرت هذا القول ، أم سوف يكون إنكاره لها رأياً شخصياً بيننا وبينه فقط أو سوف يُؤثِر السكـوت ، أو نحو ذلك مما سيكون تأثيره محدوداً .
وفي هذه القصة أن الإمام يزيد بن هارون أراد أن يبلغ السلطة أنه سوف يستفيد من تأثيره على الرأي العام لتحجيمها ومنعها من استغلال موقعها لفرض آرائها الفكرية الخاطئة ، ولهذا دعا رسول الخليفة أمام الناس ليشهدهم على موقفه ، ويكون في ذلك إشارة واضحة للسلطة لتكف عما تخطط له ، ولم يكتف رحمه الله بذكر ذلك فيما بينه وبين مندوب السلطة خاصة ، وهو يدل على قيام العلماء في ذلك الزمان برسالتهم ووعيهم الوسائل الكفيلة بتحقيق أهدافها .
وقد روى لنا التاريخ أيضاً هذه القصة الطريفة :
جاء في حسن المحاضرة : ( أنه كان بمصر مغنية تدعى عجيبة ، أولع بها الملك الكامل ، فكانت تحضر إليه ليلاً ، وتغنيه في مجلس ابن شيخ الشيوخ وغيره ، فاتفقت قضية شهد فيها الملك الكامل عنده ، وهو في دست ملكه ، فقال القاضـي عبد الله بن الصفراوي الملقب بعين الدولة ، هذا السلطان يأمر ، ولا يشهد ، فأعاد عليه القول ، فلما زاد الأمر ، وفهم السلطان أنه لا يقبل شهادته ، قال : أنا أشهد ، تقبلني أم لا ؟ فقال القاضي : لا ، ما أقبلك وعجيبة تطلع إليك كل ليلة ، وتنزل ثاني يوم بكره ، وهي تتمايل سكرى على أيدي الجواري ، وينزل ابن الشيخ من عندك ، فقال له السلطان : يا كبواج ! وهي كلمة شتم بالفارسيـة ، فقال القاضي : ما في الشرع يا كبواج ! اشهدوا عليّ أني قد عزلت نفسي ، ونهض ، فقام ابن الشيخ إلى الملك الكامل ، فقال له : المصلحة إعادته ، لئلا يقال لأي شيء عزل القاضي نفسه ، وتطير الأخبار إلى بغداد ، ويشيع أمر عجيبة ، فنهض الكامل إلى القاضي وترضاه ) عن حاشية كتاب رفع الصر لمحققه 2/302، ويستفاد من القصة أن القاضي استعمل أثر الرأي العام لتحجيم السلطـة ومنعها من التدخل في القضاء والتعسف في استعمال موقعها لإضاعة حقوق العباد ، ويمكن أن يستفاد من هذه القصــة استعمال وسيلة الإضراب عن العمل للضغط على السلطة بغية إلزامها بالحق وعدم التدخل للتأثير على القضاء ضد الشريعة .
وفي الجملة فالأمثلة كثيرة ، وعلماء الإسلام لم يغفلوا عن أي وسيلة تمكنهم من منع السلطة من التعسف في استعمــال أدواتها للالتفاف على الشريعة الإسلامية التي تمثل ثوابت الأمة التي لا تقبل الالتفاف عليها بوجه من الوجوه ، لأن كيان الأمة أصلاً مبني على إقامة الشريعة الإسلامية وبدونها تضيع هويتها وتسلب مكانتها وتتهاوى هيبتها .
الوسيلة الرابعة : وسيلة استعمال جماعات الضغط في المجتمع :
والمقصود بهذه الوسيلة أن تستغل جماعات الضغط ( وهي التكتلات التي تخشى السلطة من ردة فعلها إذا تعدت السلطة صلاحياتها أو قصرت في واجبها ، ويكون لهذه التكتلات التي توجد في كل مجتمع قدرة على التأثير في السلطة ، وربما كانت هـذه التكتلات أحزاباً فكرية أو جبهة من العلماء الذين لهم ما يسمى هذه الأيام ( سلطة روحية ) على الشعب وقد تكون منافسة لسلطة الدولة ، وربما كانت أقوى من سلطة الدولة في بعض الأحيان ، أو طوائف مهنية أو مذهبية .. الخ ) تستغل جماعات الضغط موقعها للرقابة وتقييد السلطة ، وقد ورد في التاريخ الإسلامي كثير من النماذج التي تدل على وعي العلماء بأهمية هذه الوسيلة للرقابة على الحكام والقيام بواجب الحسبة عليهم :
فمن ذلك :
ما ذكره ابن الجوزي في المنتظم قال في حوادث سنة 464هـ ، قال : ( وفي جمادى الآخرة لقي أبو سعد بن أبي عمامة مغنية قد خرجت من عند تركي بنهر طابق فقبض على عودها وقطع أوتاره ، فعادت إلى التركي فأخبرته ، فبعث التركي إليه من كبس داره وأفلت ، وعبر إلى الحريم إلى بن أبي موسى الهاشمي شاكياً ما لقي ، واجتمع الحنابلة في جامع القصر من الغد فأقاموا فيه مستغيثين ، وأدخلوا معهم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي وأصحابه ، وطلبوا قلع المواخير وتتبع المفسدات ومن يبيع النبيذ وضرب دراهم المعاملة بها عوض القراضة ، فتقدم أمير المؤمنين بذلك ، فهرب المفسدات ، وكبست الدور ، وارتفعت الأنبذة ، ووعد بقلع المواخير ومكاتبة عضد الدولة برفعها ، والتقدم بضرب دراهم يتعامل بها ، فلم يقتنع أقوام منهم بالوعد ، وأظهر أبو إسحاق الخروج من البلد فروسل برسالة سكتته ) (16/139) .
ويستفاد من هذه الحادثة عناية العلماء برسالة الإصلاح في المجتمع ، سواء كانت إصلاح الأخلاق أو الاقتصاد كمـا يدل على ذلك تقدمهم بإصلاح نظام النقد ، كما يستفاد منها تعاون العلماء والمصلحين فيما يتفقون عليه – بالرغم من الخلاف المشهور بين الحنابلة والشافعية – لتحقيق المصلحة العامة للإسلام ، واستعمالهم وسيلة الاعتصام إذا أمنت الفتنة والمفســدة الراجحـة ، وحققت مصلحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
هذا وقد سألت – دحضاً لمن يزعم الإجماع على تحريم هذه الوسيلة مع أن الإجماع بعد العصر الأول متعذر أصلاً – الشيخ العلامة الفقيه محمد بن سليمان الأشقر في شهر جمادى الآخرة 1419هـ في مجلسنا أثناء دعوة شرفنا بقبولها أثناء زيارتـه للكويت لحضور مؤتمر الطب الإسلامي ، وسجل في شريط أصدره مركز صوت الحق الإسلامي بعنوان : (صوت الحق مع الشيـــخ محمد الأشقر ) ، عن استعمال هذه الوسيلة لتحقيق مصالح شرعية إذا كانت الأحوال المقترنة بها ترجح منفعتها على المفسدة ، وأنقل هنا نص الحوار مختصراً ، استئناساً برأي هذا الفقيه الكبير .
السؤال :( هنا سؤال حدث بسببه خلاف في الكويت ونطرحه عليكم ، أحياناً تكون الدعوة الإسلامية في بلد ذي نظام فيه ما يسمى (مؤسسات ديمقراطية ) وما يسمى معارضة وحرية صحافة وحرية التعبير عن الرأي .... وبعض الناس يقــــول يجوز للمسلمين أن يعبروا عن آرائهم بطرق الاحتجاج التي يسمح بها النظام ، إذا كانوا اتحاد عمال أو نقابة مثـلاً ، ينظمــون أحزاباً حسب النظام للتعبير عن المطالبة بحقوقهم وأن هناك فرق بين الوجود في هذا النظام والوجود في نظام الحكم الإسلامي وأن الأحكام تختلف باعتبار تعارض المصالح والمفاسد ، مثل عندنا في الكويت الصحافة حرة ، لها انتقاد الوزراء علناً وتنتقد الحكومة علناً ويوجد عندنا اتحادات ونقابات لها الحق أن تعترض وتطال بالحقوق عبر قنوات محددة مثل تنظيم إضراب ، وبعض الناس من اعترض وقـال إنه تشبه بالكفار ، وهو أن تستعمل النقابة أو الاتحاد لتنظيم إضراب لتطالب بحقوق العمال أو اتحاد طلبة مثلاً ينظم إضــراب أو اعتصام ببعض الحقوق أو يعترض على بعض القوانين ؟) .
قال الشيخ : ما هو الإشكال ، ولماذا يسمى عمل الكفار ؟
قلت : يقولون إنه تشبه بالكفار ، فهم الذين جاءوا بهذا النظام الديمقراطي .
قال : وليكن ؟ ماذا في ذلك ؟ إذا أتيح لنا أن نبين الحق من الباطل وننتقد ، هل يكون من عمل الكفار .
قلت : من جهة أخرى يقولون إن هذا الحاكم يجب أن ينصح سراً ، أنت ليس لك الحق أن تظهر مثلاً تجمهر؟
قال : لكن الحاكم قبل بذلك ، يقول نحن دولة ديمقراطية انتقدوني ما شئتم .
قلت : يقولون : هو قابل بخلاف الشرع ، المفروض أنه لا يقبل ( ضحك من الحضور والشيخ ) .
وقال: والله لست أفهم !!
وقلت : يعني مثلاً نظم اتحاد الطلبة اعتصاماً سلمياً للمطالبة بتعديل بعض نظام المقررات مثلاً ، يجتمعون في ساحة الكلية ويخطب بعضهم ويرفعون بياناً للمطالبة ؟
قال : ما المانع من هذا ؟
قلت : هم يقولون : فليذهب شخص واحد للمسؤول وينصحه سراً هذا هو منهج السلف؟
قال : ليس بصحيح أنه منهج السلف ، ذلك في أمور فيها غض على فاعلها ، مثل أن يرتكب جريمة أو يشرب خمراً ، فهـذا أنصحه بيني وبينه ، لئلا أفضحه ، أما هذه الأمور الظاهرة فليس فيها فضيحة ، فنحن عندما يخطئ الإمام ( يعني في الصلاة ) ألسنا ننصحه على رؤوس الأشهاد ، لكن لو كان في أمور فيها غض منه ، مثل لو ذكر علانية فيه فضيحة فلا .
قلت : الاحتجاج بأن الشيء لم يكن في عصر السلف ، فإذن هو حرام ، هل هي حجة سليمة ؟
قال : لا ليست هذه القاعدة سليمة على إطلاقها .
ثم سأل بعض الحاضرين هذا السؤال : لكن أليست المظاهرات بذرة صغيرة للخروج على الحاكم وتهييج العامة البسطاء الذين لا عقول لهم وزجهم بمظاهرة .
قال : المظاهرة إذا كان يخشى منها وجود ناس يريدون استغلالها ، طبعاً سد الذرائع هذا مطلوب ، لكن طلبة الجامعة يعلمون أنهم لا يريدون فعل شيء ، يقولون : ننظم اعتصاماً ونكتب عريضة ونرفعها ونذهب إلى الدراسة .
قال السائل : الاعتصام قد يكون سلمياً لكن المظاهرة قد تكون غوغائية ؟
قال الشيخ : المظاهرات قد تكون مسيرات أحياناً ، تكون في بلاد تنظمها وتعتني بها ولا تدع مجالاً للفوضى ، لكن إذا كان يخشى أن تتطور إلى أضرار ونحو ذلك لا تعمل ، الأمور تقدر بقدرها ، وسد الذرائع تقدر بقدرها ، ليس بأكثر من قدرها .
قال السائل : إن كانت سلمية تجوز ؟
قال الشيخ : إذا كانت سلمية وجربت وما حصل شيء وعرف أن أهل هذه المنطقة أنهم مسالمون ، أما إذا يخشى منه نتركه .
السائل : يقال أن السلمية قد يندس فيها رجل مخرب ثم يفجر داخلها .
قال : وحتى الناس في بيوتهم ، لو نحن جالسون وواحد فعل شيئاً هل يعني لا أحد يجتمع !
تعقيب من أحد الحضور : وقد يقع ذلك في المسجد .
قال الشيخ : نعم والمسجد .
قلت سائلاً : هل يجوز استعمالها كوسائل للدعوة إذا كانت نافعة مثل بعض الدول إذا لم يقوموا بمظاهرات تهضم حقوقهم مثل ما سمعنا في الهند أو غيرها ؟
قال : لا شيء في ذلك ، هذه وسائل ، والوسائل بابها واسع ، الوسيلة التي تؤدي إلى خير ، هي خير ، والتي تؤدي إلى شر شر .
قلت سائلاً : يقولون توقيفية ؟
قال ( لا ليس بصحيح ، التضييق لهذه الدرجة لا يصح ، عندما نقول الأمور التي ليست على عهد السلف هذا في أمور العبادات أما أمور الدنيا هذه لا نهاية لها ..) انتهى المقصود نقله من الشريط ، وليرجع القارئ إلى المصدر في مركز صوت الحق .
هذا وقد منع بعض المعاصرين استعمال هذه الوسائل العصرية التي تسمى وسائل الاحتجاج السلمي كالإضراب والاعتصام والمسيرة السلمية مطلقاً ، وقبل أن ننقد هذا الرأي الذي نراه مجانباً للصواب من جهة إطلاقه ، نذكر قاعدة اتفق عليها العلمـاء ، وحاصلها أنه لا يصح في مناهج أهل التحقيق الخوض في الأحكام الشرعية ، قبل تفصيل القول في الألقاب والأسمـاء التي تتعلق بها هذه الأحكام ، وتبيين ما كان منها من مجمل يحتمل عدة معان حتى لا تشتبه الأحكام المختلفة ، لاشتباه معاني متعلقاتها .
فعلى سبيل المثال لفظ المظاهرات ، قد حدث فيه اشتباه بسبب الإجمال ، فهو ربما أطلق وأريد به إثارة الشغب والفوضى والفساد ، وغالب ما يتبادر إلى ذهن العامة هذا المعنى ، ويطلق ويراد به أي صورة من صور التجمهر ولو لم يكن فيه غير الاعتصام في موضع معين ، ويطلق ويراد به اجتماع الناس لسماع الخطب وما يسمى هذه الأيام المهرجان الخطابي ، ويطلق ويراد به ما يسمى المسيرة السلمية وهي أن يخرج الناس يسيرون بأعداد كبيرة للاحتجاج على أمر ما أو المطالبة بأمر ما ، وقد تكون على صورة اتباع جنازة يتعمد متبعوها أن يسار بها علناً لمسافة طويلة ويحشد لاتباعها عدد كبير من المشيعين في رسالة احتجاج تتعلق بحدث اقترن بهذه الجنازة ، وكل هذه الصور قد تحدث بإذن السلطات أو بغير ذلك ، بل قد تكون بأمر السلطات ، وقد تحدث في بلاد الإسلام تحت إمامة شرعية ، وقد لا تكون كذلك ، بل تكون في أرض العدو الذي لا يمكن قتاله بالسلاح كما في فلسطين ، أو في بلاد الكفـار الذين اعتادوا على ذلك وسمحوا به مثل بلاد الغرب .
وقد تصاحبها المنكرات كاختلاط الرجال والنساء لأنها مما لا يمكن السيطرة عليها ، وقد يترتب عليها مفسدة راجحـة ، وقد يحدث الضد ، فيترتب عليها مصالح عظيمة للدعوة .
وبعضها يقصد به إثارة الشغب والفوضى ويستعمل فيها العنف – كما أشرنا- لإسقاط النظام إو إسقاط الثقة به ليؤدي إلى الثورة ضده .
وغالبها يقصد بها استحثاث وسائل الإعلام ، لاستدعاء الرأي العام العالمي أو المحلي لقضية يرى أصحابهــا أنها لا تحظى بالاهتمام المطلوب الذي يتوقع أن يؤدي إلى حلها ، وغالباً ما يحدث هذا النوع في الأنظمة التي تسمح بوسائل الاحتجاج السلمية مثل الكويت ، فقد نصت المادة 44 من دستورها على ذلك صراحة .
والمقصود أن هذه صور مختلفة جداً ولا يجوز البتة في النظر الفقهي الصحيح أن يطلق حكم واحد علــى جميع ما يحتمله اللفظ العام من الصور والمعاني مع اختلاف أحوالها، إذا كان مناط التحريم أو الإباحة يختلف باختلاف تلك الصور .
ولا أريد أن أتعرض هنا لمظاهرات العنف فإن تحريمها ما لم تكن ضد عدو في أرض حرب مثل الأرض المحتلة في فلسطين وما يشبهها ، وما في حكمها مثل الخروج على الحاكم الكافر ، وتحريمها واضح لا يحتاج إلى بيان ، وإنما المقصود مناقشــة من يحرمها مطلقاً وان كانت سلمية مقصدها إعلامي يهدف إلى ممارسة الضغط المعنوي فحسب .
هذا وقد سلك المحرِّمون لهذه الوسائل وإن كانت سلمية يسمح بها النظام ثلاث طرق :
الأولى : دخولها في عموم النصوص المحرمة للتشبه بالكفار .
الثانية : دخولها في عموم النصوص المحرمة للإحداث في الدين لأنها لم توجد في العصر الأول .
الثالثة : الاحتجاج بقاعدة سد الذرائع ، إذ هذه الوسائل ذريعة لوقوع منكر أكبر مما يراد إزالته بها غالبـا ، ومعلوم أن الحكم إنما يعلق على غالب الأحوال لأنه مثار غالب الظن الذي تنبني عليه أحكام الفروع .
أما الطريق الأولى : فالاحتجاج بها ضرب من الغفلة عند أهل التحقيق ذلك أن الوسائل والصناعات والعادات المحضــة ونحوها ، إذا عمت في الناس يفعلها المسلمون والكفار ، ولم تختص بالكفار بحيث تصير شعاراً لهم خاصة دون غيرهم ، فإنها لا تدخل في تحريم التشبه بالكفار إذ لا يتحقق فيها هذا المعنى ، ولا يصدق عليها اللفظ والمبنى .
فالوسائل – ما لم تكن محرمة بعينها أو صارت شعاراً للكفار دون سواهم – فلا بأس من الاستفادة منها في مقاصد الشريعة ، كما أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في النفع الذي يفعله المسلم والكافر كالبناء والخياطة والنسيج والصناعة ونحو ذلك أنه يجوز أخذه من غير المسلم , ينظر الفتاوى 30/206 ، وذكر أنه لهذا أجاز المسلمون استعمال القوس الفارسية بعد فتح فارس في عهد عمر رضي الله عنه لأنهم وجدوها أفضل من العربية ، وكذلك كان الصحابة ومن بعدهـم من المسلمين يلبسون الملابس التي وردت من بلاد الكفار ، وقد استفادوا بعد الفتح بعض التنظيمات الإدارية من الكفار ، ينظـر التفسير الكبير لابن تيميه 7/547 ،548 وينظر أيضاً مجموع الفتاوى 31/85 .
ومعلوم أن الصناعات والتنظيمات الإدارية – على سبيل المثال – التي أنشأها غير المسلمين ، قد تصير وسائل لإنكار المنكر والدعوة إلى الله تعالى ، وفي هذا العصر تداخلت الوسائل الإدارية والمادية التي تنظم شؤون الناس بصورة لم يسبق لها مثيل ، ولا يكاد شيء منها يختص بجنس من البشر حتى يقال أنه من عمل الكفار دون المسلمين ، ولهذا تجد المانعين لمثل هذه الوسائل ( المظاهــرات السلمية ونحوها ) محتجين بأنها تشبه بالكفار لابد أن يتناقضوا تناقضاً بيناً ، فهم يستعملون من الوسائل الحادثة ما لا يعد كثـرة حتى ما ورد في أصله التحريم مثل التصوير ونحو ذلك ويجيزونه في بعض وسائل الدعوة ، بل ما يسمى فن الصحافة إنما نشأ في بلاد الكفار ثم عم في الناس ، وسائر وسائل الإعلام وفنونه التي أضحت اليوم من أهم وسائل الدعوة ، يستعملون هذه الوسائــل الحادثة التي اخترعها غير المسلمين وانتشرت فيهم قبل أن تصل إلى بلاد الإسلام ، ثّمَّ يحرمون وسائل الاحتجاج في العمـل النقابي لأنها من بلاد الكفار فتأمل هذا التناقص العجيب .
فضلاً عن استعمال بعض هؤلاء المتناقضين الذين يحرمون الشيء ، ويبيحون لأنفسهم نظيره ، النظم الإدارية التي أحدثها غير المسلمين ، حتى تنظيماتهم الدعوية وما تستدعي من نظم داخلية ، وبعض هؤلاء المتناقضين يستبيح لنفسه طلب علوم الشرع في بلاد الكفرة وفي جامعات النصارى لِيُزَكُّوُهُ في علم شريعة الإسلام !! وبعضهم لا يرى غضاضة في دراسة الشريعة بنظـام الماجستير والدكتوراه وهو في الأصل نظام أحدثه غير المسلمين ، وغيرهم يرى وجوب دخول البرلمانات التي هي أوروبية المنشـأ ، وغير ذلك من الصور ما لا يحصى ، والصواب أن هذا كله داخل فيما يباح بالبراءة الأصلية ، فإن صار وسيلة لخير أو شر دخل في قاعــدة الوسائل لها حكم المقاصد ، وإنما لم تدخل هذه الوسائل في عموم النهي عن التشبه بالكفار لأنها ليست شعاراً لهم ولا مختصـة بهم ، بل عامة في الناس يفعلها المسلم والكافر في جميع بقاع الأرض وقد صارت من جنس الصناعات ، وما كان مختصاً بهم قـــد يجوز للضرورة أو لارتكاب أخف الضررين أيضاً .
هذا مع أنه لا يسلم البتة – كما سيأتي بيانه بالأدلة والوقائع التاريخية – أن هذه الوسائل الاحتجاجية السلمية لم يعرفهـا المسلمون في تاريخهم ، بل هو خطأ محض لا يقوله من يعرف التاريخ الإسلامي، ولا من تأمل في سنن الحياة ، إذ لا معنى لاختصاص الكفار بأمر يتولد من النظام الاجتماعي نفسه , وتستدعيه نفس طبائع آدم في اجتماعهم .
الطريقة الثانية : التي اعتمد عليها من حرم المظاهرات وغيرها من الوسائل السلمية في الاحتجاج أو التعبير عن الرأي هي دخولها في عموم النصوص الناهية عن الإحداث في الدين لأنها لم تكن في العصر الأول ، ولنا مسلكان في إبطال هذه الطرق :
الأول : إبطال الحجة من رأسها ببيان أن الوسائل العصرية التي يتوصل بها إلى الدعوة وإنكار المنكرات لا تدخل في الإحداث في الدين .
الثاني : بيان أن هذه الوسائل كانت في العصور الأولى بل نص عليها بعض الأئمة ، واشتهرت ولم تنكر ، فدل على أنها ليست محدثة أصلاً .
أما المسلك الأول : فحاصله إن الإحداث في الدين يقصد به عند العلماء التقرب إلى الله تعالى بعبادة لم يشرعها ، وهـي البدع التي عَظُمَ نكِيْرُ السلف على فاعلها والتحذير منها ، حتى عدّوها أشد خطراً من الكبائر ، وهي نوعان : أصلية وهي إحداث عبادة ليست مشروعة أصلاً مثل إقامة المناحات في ذكرى موت الصالحين والمولد ونحو ذلك ، وإضافية مثل تخصيص فضل لمكان أو زمان أو هيئة في عبادة مشروعة في الأصل ، لكن بلا دليل على التخصيص مثل تعيين فضل للدعاء عند قبور الصالحين أو الذكـر الجماعي على هيئة معينة وإن كان الدعاء والذكر مشروعين بالأصل .
أما الوسائل التي يتوصل بها لأداء الواجب المطلق – وهو الذي لم يأت الشرع بتحديد كيفية أدائه على صورة مخصوصة مثل الجهاد وقيام الإمامة بإصلاح شؤون الرعية ، والدعوة إلى الله تعالى ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإحسان إلى الناس وبر الوالدين ونحو ذلك – أو التي تتعلق بالعبادة تعلق الوسائل فحسب ، فلا تدخل في الإحداث في الدين ، لأنها لا يقصد بهــا التقرب بها بخصوصها وإنما تستعمل لأداء الواجب أو غيره من باب الوسائل ، فلو تغير الزمان أو المكان تغيرت ، فهي غير مقصوده لذاتها .
وفي هذا الباب أمثلة كثيرة ، ففي أحكام الأذان مثلاً : استعمال مكبرات الصوت ورفعها على المآذن لإسماع الناس بعد أن علت الدُور وتباعدت واحتيج إلى تبليغ الصوت ، وفي الصلاة : مثل استعمال البوصلة الحديثة لمعرفة القبلة ، وكما وضعت خطوط قوسيّة مؤخراً في المسجد الحرام يستدل بها الذي لا يرى الكعبة على اتجاه القبلة لأنه يجب عليه استقبال عينها في المسجد الحـرام ، وفي الزكاة : حسابها بالوسائل العصرية وإخراجها بها مثل الخصم الحسابي بالأقساط قبل الحول شهريا تيسيراً على مخرجها ، لأنـه يجوز تعجيل إخراجها على الصحيح ، وفي الحج : مثل إنشاء الطابق الثاني في المسجد الحرام للطواف والسعي ورمي الجمرات ، وفي الجهاد : مثل وسائل الجهاد العصرية التي لم تكن على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كوسائل الاستخبارات العسكرية المتطورة والسلاح ، ونظم إدارة الجيوش ومراتب الجند ونحوها للقيام بالجهاد في أكمل صوره .
وفي باب الدعوة إلى الله تعالى : مثل استعمال الإعلام والصحافة واضطرار الدعاة أحياناً إلى استعمال الصــور لإيضاح أحوال المسلمين واستحثاث الناس لإعانتهم ، وفي طلب العلم الشرعي : مثل مسابقات تحفيظ القرآن وغيرها مما يقصد به حــث الناس على العلم الشرعي ، ومثل جعل طلب العلوم الشرعية على نظام الكليات الحديثة والطرق العصرية التي لم تعرف في العصر الأول ، وفي إنكار المنكرات : قد أفتى أجلة العلماء بجواز دخول الدعاة المجالس النيابية في البلاد التي تجعل للشعب سلطـة الرقابة على النظام ومحاسبته وتشرك الشعب في اتخاذ القرارات ، وإنما يتحقق ذلك بالتصويت والانتخابات العصرية ، وكذلك دخــول نقابات العمال واتحادات الطلبة ونحوها ، وكلها وسائل حادثة يقصد بها تحقيق مقاصد الدعوة الإسلامية ، وكذلك الوسائل العصرية في مكافحة الجريمة ، وتتبع المجرمين وكشفهم وهو من باب إنكار المنكر المأمور به شرعاً ويدخل في هذه البصمات اليدوية والوراثية وأحماض الدم وحتى الكلاب البوليسية ، وغيرها من الوسائل الحديثة في مكافحة الجريمة ، ومعلوم أن مكافحة الجريمة من إنكار المنكر ، بل ولاية الدولة كلها إنما المقصود بها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما بينا .
والأمثلة لا تحصى في هذا الباب ، وكل هذه الوسائل لم تكن في العصر الأول ، وكل ذلك لا يدخل في الإحداث في الدين ، ولا يفتي بذلك من يعرف مقاصد الشريعة ولا من يعلم قواعد الفقه وأصوله التي تنبني عليها الأحكام ، ولهذا يفرق العلماء بين ابتداع ذكر على هيئة مخصوصة لم تشرع وبأذكار مخترعة لم ترد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو السماع الصوفي ، ويجعلون كل ذلك بدعة ، وبين استعمال وسيلة السبحة لِعَد الأذكار المشروعة والواردة في السنة ، ولشيخ الإسلام فتوى مشهورة بإباحة السبحة لأنها من باب الوسائل ، وإن كان في ذلك خلاف مشهور لكن المقصود أنه لا ينكر على فاعله ، كما يفرّقون بين الزيادة على ألفاظ الأذان لأنها بدعة ، وبين استعمال المآذن العالية وسيلة لتبليغ الصوت كما في الحرمين فهو مشروع ، ويفرقون بين الزيادة على خطبتي الجمعة خطبة ثالثة أو صلاة الظهر بعدها فهما بدعتان ، وبين جعل المنبر أكثر من ثلاث درجات إن احتيــج إلى ذلك لكثرة الناس فهو مشروع وكذا أن تكون الخطبة بِلُغَةِ المصلين إذا لم يكونوا من العرب فهو مشروع مع أنه لم يفعل علـــى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم .
وحتى في باب الإمامة العظمى ينبغي التفريق بين بدعة توريثها على سبيل المثال ، وبين استعمال وسائـــل أكثر فاعلية لانتخاب وبيعة الإمام وتنظيم سلطات الدولة ، لضمان سلامة أداءها لواجباتها ، فهذه وسائل تتبع حكم مقاصدها ، وتلك - توريث الإمامة العظمى – بدعة لا تجوز إلا لدفع ضرر أكبر كخشية وقوع نزاع يفضي إلى فتنة بين المسلمين وضرب وحدة الأمة .
والمقصود أن الأمثلة لا تحصى والتفريق بين الأمرين :( البدعة المحرمة والوسائل التي لها حكم مقاصدها ) لا بد منه شرعاً وعقلاً ، بل لو حرمت كل وسيلة عصرية يتوصل بها إلى أداء ما أمر الله تعالى به أو ندب إليه ، لكان ذلك من الضلال المبين والجناية على الدين ، بل تحريم هذه الوسائل في حد ذاته بدعة شنيعة .
والقاعدة في هذا الباب أن الوسائل التي يتوصل بها إلى امتثال الشرع لا تمنع لمجرد كونها لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو عصر السلف ، لأنها قد لا توجد لعدم المقتضى حينئذ لفعلها في عهده صلى الله عليه وسلم ، إما لأنهــا لم في ذلك الزمان أصلاً ، أو لعدم الحاجة إليها في ذلك العصر , أو لوجود مانع من ذلك , كما قال شيخ الإسلام ابن تيميـــة رحمه الله تعالى : ( وهذا باب واسع بسطناه في غير هذا الموضع وميزنا بين السنة والبدعة وبينا أن السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه طاعة لله ورسوله ، فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فُعل على زمانه أو لم يفعله ولم يفعل على زمانه لعدم المقتضى حينئذ لفعله أو لوجود المانع منه ) مجموع الفتاوى 21/381 .
وانطلاقاً من هذا الفهم الدقيق استعمل الصحابة وعلى رأسهم عمر رضي الله عنه وسائل لم تكن على زمن التنزيل إن لم يرد فيها نص مانع ، كما أنشأ عمر الدواوين وكما جعل دية قتل الخطأ على أهل الديوان وجعلهم العاقلة بدل العصبة ، وكان فقهه رضي الله عنه قائم على هذا الفهم السديد للشريعة ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ( فإن جند الشام كتبوا إلى عمر رضي الله عنه : أنَّا إذا لقينا العدو ورأيناهم قد كفروا – أي : غطوا أسلحتهم بالحرير – وجدنا لذلك رعباً في قلوبنا ، فكتب إليهم عمر : وأنتم فكفروا أسلحتكم كما يكفرون أسلحتهم ) مجموع الفتاوى 28/27 ، ولم يقل عمر إنه تشبه بالكفار ولا قال لم يكن ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع أن لبس الحرير قد ورد فيه النهي ، غير أن الفقهاء أجازوه للضـرورة في القتال ولهم قولان في لبسه لإرهاب العدو ، وإنما لم يقل عمر رضي الله ذلك لأنه من باب الوسائل وما كان كذلك لا يكون مــن الإحداث في الدين , كما أنه يباح للمصلحة الراجحة ، كرؤية المخطوبة ونحو ذلك مما عرف مواضعه في الفقه ، وكما جمع الصحابة المصحف ، وكما أمر عثمان بتحريق المصاحف إلا واحداً درء للفتنة .
وكل من جرب القضاء والفُتيا العامة ، وفي النوازل تيقن ما ذكرناه هنا، ولهذا لا يسلــــم من يحرم الوسائل العصرية للاحتجاج الجماعي بحجة أنها محدثة من تناقض أيضاً ، فتجده يجيز ما لا يحصى من وسائل الدعوة وتحصيل العلم والجهاد وغيرها مما لم يكن في العصر الأول فإذا جاء إلى هذه الوسيلة حرمها لأنها لم تكن في العصر الأول فيا للعجب .
وأما المسلك الثاني : فالتاريخ الإسلامي حافل منذ العصور الأولى بشواهد القيام الجماعي لإنكار المنكر ، والعجب كــل العجب ممن ينكر هذا مع استفاضته ، ويَدَّعِى أن السلف لم يفعلوا شيئاً منه ، ومن ذلك :
أن الإمام أحمد رحمه الله كان يفتي بأن يجتمع الناس لإنكار المنكر للتهويل والتشهير بالمنكر وأهله ، فقــد روى الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن محمد بن أبي حرب قال : سألت أبا عبدالله عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه ، قال : يأمره , قلت : فإن لم يقبل ؟ قال : تجمع عليه الجيران وتهول عليه . ص50 .
وروي عن جعفر بن محمد النسائي قال : سمعت أبا عبدالله سئل عن الرجل يمر بالقوم يغنون ؟ قال : إذا ظهر له ، هــم داخل ، قلت : لكن يسمع الصوت يسمع في الطريق ، قال : هذا ظهر عليه أن ينهاهم ، ورأى أن ينكر الطبل يعني إذا سمع حسه ، قيل : مررنا بقوم وقد أشرفوا من علية لهم ، وهم يغنون فجئنا إلى صاحب الخبر فأخبرناه ، فقال : ( لم تكلموا في الموضع الذي سمعتم ؟ فقيل : لا ، قال : كان يعجبني أن تكلموا ، لعل الناس كانوا يجتمعون وكانوا يشهرون ) ص 50/51 .
ومن ذلك ما ذكره ابن الجوزي في المنتظم قال : ( واجتمع في يوم الخميس رابع عشر المحرم خلق كثير مــــن الحربية ، والنصرية ، وشارع دار الرقيق ، وباب البصرة ، والقلائين ، ونهر طابق ، بعد أن أغلقوا دكاكينهم ، وقصـدوا دار الخلافة وبين أيديهم الدعاة والقراء وهم يلعنون أهل الكرخ – أي منكرين لبدعة إظهار شتم الصحابة التي وقعت من أهل الكرخ – واجتمعوا وازدحموا على باب الغربة ، وتكلموا من غير تحفظ في القول فراسلهم الخليفة ببعض الخدم أننا قد أنكرنا ما أنكرتم ، وتقدمنا بأن لا يقع معاودة , فانصرفوا ) 16/94 .
وأما ما وقع من شيخ الإسلام ابن تيمية فكثير جداً ، فمن ذلك :
ما ذكره خادم الشيخ إبراهيم الغياني قال : ( فبلغ الشيخ أن جميع ما ذكر من البدع يتعمدها الناس عند العمود المخلق الذي داخل ( الباب الصغير ) الذي عند ( درب النافدانيين ) فشد عليه وقام واستخار الله في الخروج إلى كسره ، فحدثني أخوه الشيخ الإمام القدوة شرف الدين عبدالله بن تيمية قال : فخرجنا لكسره , فسمع الناس أن الشيخ يخرج لكسر العمود المخلق ، فاجتمع معنا خلق كثير ) ص 10 رسالة بعنوان ناحية من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق محب الدين الخطيب .
وشواهد التاريخ لا تحصى كثرة ، والعاقل يعلم أن مثل هذه الوسائل السلمية للاحتجاج الجماعي إنما تتولد مــن النظام الاجتماعي نفسه ، ومن كون الإنسان اجتماعياً بطبعه ، يجتمع مع بني جنسه فيما يتفقون عليه فهو أمر لا يخلو منه عصر ، ولا يحتاج إلى فكر، وإنما تدفع إليه الحاجة ، والناس إذا توافقوا تعاونوا ، فالعجب ممن يظن أن هذه الوسائل حادثة ، ومن طرائف الأخبار أن شاباً ممن اعتاد على إلغاء عقله بتقليد حزبه ، ذكر له أن جماعة من الدعاة أقاموا تجمهراً حشد له الناس في خيمة كبيرة بهدف إظهار النكير لإضعاف المنكر ، وسئل هل يجيز هذا الأمر حزبه الذي يحرم التجمهر لأنه في زعمهم تشبه بالكفار ولم يفعله السلف ، قال هذا يجوز لأنه تحت الخيمة ن فقيل له أرأيت لو أزلنا الخيمة وكان ذلك كله في العراء ، قال لا يجوز حينئذ لأنه مظاهرة ، وعش تر ما لم تر !!!
الطريقة الثالثة التي سلكها المانعون لوسائل الاحتجاج السلمي هي :
وهي قاعدة سد الذرائع ، وقالوا إن هذه الوسائل غالباً ما تفضي إلى مفاسد أرجح من المصالح التي تبتغي بها ، وقد علم من دلائل الشريعة الكثيرة حظر ما يفضي إلى المفسدة ، ويكتفى في اعتبار ذلك بغالب الأحوال إذ هي مثار غالب الظن الذي تنبني عليه الأحكام .
وهذا الطريق أسلم حجة استدل بها على المنع ، غير أن المعلوم أن الذرائع تقدر بقدرها لا أكثر من قدرهـا ، ويجب عند العمل بهذه القاعدة ، أن يتوفر أمران :
الأول: العلم بأن الوسيلة هي حقاً ذريعة إلى مفسدة تربو على المصلحة ، لا أن يكون ذلك بناء على الوهم أو ضرب من الوسوسة أو بدافع الخوف النفساني المجرد أو بناء على أحوال يختلف فيها القياس والتمثيل .
الثاني : أن لا يتجاوز بالذريعة قدرها فيؤدي إلى تحريم المباح أو تفويت مصالح شرعية محققة ، فمثلاً إذا كان الاعتصام بغير إذن السلطة يفضي إلى مفسدة راجحة ، فلا يحرم ما كان حقاً مكفولاً بحكم القانون إلا إذا أفض إلى مثل ذلك ، وقس على ذلك .
وعليه ، وبناء على ما سبق ، فإن حكم ما يسمى وسائل الاحتجاج الجماعي من مظاهرات واعتصامـــات وإضرابات ومهرجانات خطابية ومسيرات .....الخ ، أنها تنقسم إلى ثلاثــة أقسام :
القسم الأول : محرمة ، وذلك فيما لو كانت بقصد العنف المحرم – يستثنى ما يقع في أرض عدو محارب كفلسطين وغيرها ما لم يكن الضرر أعظم كما هو الحال في حكم الجهاد – أو كانت سلمية لكن يخشى إفضاؤها إلى عنف لعدم القدرة على السيطرة عليها ، أو كانت سلمية أيضاً لكنها متضمنة لما يمنع شرعاً كاختلاط محرم بين الرجال والنساء ، أو أدت إلى وقوع منكر أكبر ، أو ضرر يصيب المسلمين أو شعائر دينهم كما يفعل الملحدون الروافض في الحرم ، أو ضرر يلحق بالدعوة الإسلامية يربو علــى ما يتحقق بهذه الوسيلة من مصالح ، وغالباً ما تكون كذلك في الأنظمة التي لا تنص قوانينها على حق المواطنين في التعبير عن الاحتجاج بهذه الوسائل العصرية ، وهي في بلادنا الشرقية والعربية خاصة أكثر من غيرها .
القسم الثاني : مباحة ، وهي فيما إذا كانت السلطة تسمح بهذه الوسائل وتنظيمها للاتحادات والنقابات ونحوها فتستعمل للوصول إلى غرض مباح ، مثل زيادة الأجور أو تخفيف ساعات العمل أو الحصول على الحقوق المادية ونحو ذلك ، أو تأمــر بها الدولة لاستحثاث وسائل الإعلام لحماية مصالح مواطنيها في دولة أخرى أو إثارة قضية تخصها مثل الأسرى ونحو ذلك ، فهذه كلها مباحة ما لم تؤد إلى الوقوع في محظور كما في القسم الأول فتمنع .
القسم الثاني : مستحبة – أو واجبة بحسب الحال وما يراد تحقيقه بها - وذلك فيما إذا كان مقصدها مستحباً أو واجباً ، ومن أمثلة هذا النوع أن تكون في أرض العدو للضغط عليه للوصول إلى مصلحة شرعية للمسلمين ، كما كان فيما سمي ( مظاهرات الحجارة ) التي قصد بها الشعب الفلسطيني إثارة الرأي العالمي ضد جرائم اليهود بالمسلمين ، بغية تحريك القضيــة وفضح مكائد اليهود ، ولم يبلغنا أن أحداً من علماء المسلمين حرم تلك المظاهرات ، أو تكون للضغط على المحتل الكافر لإخراجه من البلاد كما كان يفعل المسلمون إبّان الاستعمار الذي عم البلاد الإسلامية ، أو كانت وسيلة للخروج على حاكم يجب الخروج عليه مع القدرة لظهور الكفر البواح ، وهذه فيما يخص مظاهرات العنف ، ويجب أن يراعى فيها أن لا تتعدى إلى الاعتداء على المسلمين أو تؤدي إلى ضرر عليهم راجح على مصالحها .
وأما السلمية فتدخل في هذا القسم إذا كانت في أنظمة تسمح بها وتجعلها حقاً للأفراد عبر منظمات لهم تسمى نقابات أو اتحادات ، فيسمح لهم القانون أن ينظموا إضراباً أو اعتصاماً أو مسيرة سلمية للحصول على مطالبهم فإذا كانت تلك المطالــب شرعية دعوية ، كان لهذه الوسيلة حكم مقصدها ، وهذا – أعني السماح بهذه الوسائل – قد يكون عرفاً سائداً لا قانوناً منصوصاً عليه ، فهذه كلها إذا خلت من محاذير أخرى فهي مستحبة – أو واجبة إذا لم يتم الواجب إلا بها وبحسب مقصدها – ، ولا مانع شرعاً البتة أن تستعمل لتحيق بعض أهداف الدعوة أو إنكار المنكر ، وكل ذلك ما لم تُفْضِ إلى الوقوع في منكر أكبر .
وفي هذا الباب يحصل المسلمون في بلاد الغرب – حيث تنص غالب الدساتير علــى حقوق الشعـوب باستعمال هذه الوسائل - على كثير من حقوقهم ويخففون الأذى عليهم من أعداءهم ، مستغلين هذه الوسائل المسوح بها وإذاعة وسائل الإعلام لها لإيصال صوتهم إلى العالم ، وكل ذلك مشروع ما لم يفض إلى محرم أشد ضرراً .
هذا ، وتحقيق هذه الفتوى على الواقع ، يجتهد فيه أهل كل بلد ممن له أهلية ذلك لأنهم أعرف بأحوالهـم ، ولا عجب أن يفتي بتحريم هذه الوسائل مطلقاً من ينكر وجود سلطة في العالم تسمح لموطنيها بالاحتجاج العلني عليها ، ويقول حتى لو وجدت فلا تلبث أن تبطش بهم ، غير أنه لم يعد خافياً أن وجود مثل هذه القوانين التي تعطي الشعب حق الاعتراض والنقـــد العلني كحرية الصحافة وتنظيم وسائل الاحتجاج الجماعية ونحوها ، إنما يتحقق في الأنظمة التي تقوم علي فصل السلطات ، وفيها تكون السلطـة التنفيذية ما هي إلا سلطة واحدة من الدولة والشعب يشارك فيها بقوة القانون أيضاً ، وتشاركهم في اتخــاذ القرارات – بل هي المخولة أصلاً ـ ولها حق مراقبة الحكومة وتفرض عليها الخضوع للقوانين التي منها حقوق الرعيـــة بالتعبير عن رأيهم ، فحتى لو كرهت السلطة التنفيذية الإنكار عليها فإنها لا تستطيع أن تمنع ذلك وتتجاوز صلاحياتهـا ، حتى ربما استطاع الشعب عبر ممثليه أن يغير السلطة التنفيذية ، ويأتي بغيرها ، وكل ذلك يكثـــر وجوده في حكومات العالم الغربي حيث يعيش المسلمون هناك وربما احتاجوا إلى تلك الوسائل لحماية أنفسهم ودينهم ، وتوجد في بعض البلاد الإسلامية كذلك ، هذا والواجب أن يتعرف المفتي على هذا الواقع حتى يعلم تحقق قاعدة سد الذرائع في البلاد التي أفتى لأهلها بالمنع المطلق أم لا .
هذا ، وإنه لمن المقرر في أحكام الفتوى وآدابها أن لا يقصر المفتي نظره على البلاد التي يعيش فيها فحسـب ، ويرى العالم كله من خلالها ، ويبني الفتوى على ما يراه حوله فقط ، فإن هذا من شأنه أن يجعل الفتوى تأتي بضد مقصودها ، وقد حكيت لبعض أفاضل أهل العلم ما تسمح به البيئة الكويتية – على سبيل المثال – من وسائل لإنكار المنكرات علنية تطال أعلى السلطات وتعد في الكويت كالأعراف المعتادة لكل الناس ، ما صار بهم إلى الدهشة وكأنهم لم يسمعوا بذلك قط ، وقد نبهت إلى وجوب اطلاعهم على أحوال العالم الإسلامي ، قبل تصدير الفتوى لما في ذلك من الأهمية العظمى .
وقلت لهم إننا نعلم أن نظام الحكم الإسلامي قد كفل من وسائل تحقيق العدل ومنع الظلم وكفاية الرعية وحفظ الحقوق ، وإلزام السلطة بواجباتها عبر قنوات شرعية ، ما يجعله نظاماً مميزاً ، وأنه لا يجوز استبداله بالأنظمة الغربية ، غـير أن هذا الأصـل لا يعني أن لا ينظر المفتي إلى واقع الحال وحاجة الناس إلى تخفيف الشر وتحصيل الخير ما أمكن في غياب الإمامة الإسلامية العادلة ، وأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والبلاد والزمان والمكان .
كما ننبه هنا أنه لا يجوز أن نغفل سد ذرائع المنكر، عندما ننظر إلى سد ذرائع الأضرار التي تترتب على إنكار المنكر ، فقد يكون المنكر منكراً إلى درجة يهون معها وقوع الأذى الجزئي في إعلان النكير على فاعليه حتى لو كانت السلطة ، فلا شيء يبيـد النعم كظلم السلطة ، وقد ورد في الحديث ( أخوف ما أخاف عليكم حيف الأئمة ) وفيه أخاف على أمتي الأئمة المضلين ) ولهـذا صار أعظم الجهاد الإنكار على جور السلطان ، لأن في استمراره على جوره وقوع الفســــــاد العام ، وإنما تحـل العقوبة الإلهية عند السكوت عنه كما صح في الحديث، كما أن في ترك إظهار الإنكار بالكلية خشية حصول مفاسد جزئية ، اختلاط الحـق بالباطل ، وانقلاب المعروف منكراً ، والمنكر معروفاً ، وخفاء الدين على الناس ، واندراس معالمه ، ولعمــري ، إن هذه المفاسد لا تضاهيها مفسدة ، فينبغي أن ينظر في سد هذه الذريعة أيضاً عند الترجيح ، وقد وجدنا بعض المفتين لا يعير لهذا الجانب، اهتماماً وإنما يتوجه نظره فحسب إلى منع الدعاة من إعلان النكير على شيء خوفاً عليهم ، حتى عمت المنكرات وطمت ، وصـــار ما كان يحذر منه ، قد وقع في أعظم منه ، فهذا باب مهم جداً .
النوع الثالث من الحسبة : حسبة الرعية على الرعية
هذا وقد كانت مسألة ( حكم المظاهرات ) استطراداً جرنا إليه الحديث عن الوسيلة الرابعة من وسائل حسبة الرعية على السلطة ، وقد مضى فيما سبق من هذا البحث الحديث عن حسبة السلطة على الرعية ، ثم حسبة الرعية على السلطة .
وأما النوع الثالث من أنواع الحسبة ، فهي حسبة الرعية على الرعية والمقصود بها نهوض الأمة بهذا الواجب ، واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد اعتنى العلماء بأحكام هذا الفرض العظيم حتى عده بعضهم سادس أركـان الإسلام ، وذكروا في آدابه وأحكامه جملاً كثيرة مأخوذة من نصوص الكتاب والسنة ، ولا ريب أن تكليف الأمة كلهــا لتقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل على اختصاصها بأنها أمة حيّة متحركة تسعى لتغير الواقع حولها ليخضع لتعاليم الإسلام .
وأول من يكلف بهذا الفرض أولو الأمر وهم العلماء والأمراء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمــه الله ( ولذلك كان أولو العلم هم الأمراء والعلماء إذا صلحوا صلح الناس وإذا فسدوا فسد الناس , ولما سألت الأحمسية أبا بكر الصـديق ما بقاءنا على هذا الأمر قال ما استقامت لكم أئمتكم ) ، وهذا النوع من الحسبة لا يسقطه شيء فلا يسقط بعدم وجود الدولة الحاكمــة بالشريعة ولا بعدم قيامها بالحسبة ، أو قيامها به على وجه لا يوافق الشرع ،بل هو حق عام مكفول لأفراد الأمة جميعاً كـل بحسب استطاعته .
قال الإمام النووي رحمه الله :( ومما يتعلق بهذا الأمر أن الرجل والمرأة والعبد والفاسق والصبي المميز يشتركــون في جواز الإقدام على إزالة هذا المنكر وسائر المنكرات ، ويثاب الصبي عليها كما يثاب البالغ ، ولكن إنما تجب إزالته على المكلف القـادر ، قال الغزالي في الإحياء : وليس لأحد منع الصبي من كسر الملاهي وإراقة الخمور وغيرهما من المنكرات ، كما ليس له منــع البالغ ، فإن الصبي وإن يكن مكلفاً ، فهو من أهل القرب وليس هذا من الولايات ، ولهذا يجوز للعبد والمرأة وآحاد الرعيـــة ) روضة الطالبين5/18 .
قال الإمام ابن قدامة في مختصر منهاج القاصدين ص 124 : (واشترط قوم كون المنكر مأذوناً فيه من جهة الإمام أو الوالي , ولم يجيزوا لآحاد الرعية الحسبة ، وهذا فاسد ، لأن الآيات والأخبار عامة تدل على أن كل من رأى منكراً فسكت عنــه عصى ، فالتخصيص بإذن الإمام تحكم ) .
ومن المهم أن ننبه هنا أن باب الحسبة في الفقه الإسلامي ، بني على قاعدة تحصيل المصالح بحسب الإمكان ودفـع المفاسد بحسب الإمكان وتقديم أرجح الأمرين عند التعارض ، وتفويت المصلحة الأدنى لفعل الأعلى عند التزاحــم ، وارتكاب المفسدة الصغرى لدفع الكبرى عند التزاحم .
كما قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله :( وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات والمستحبات فلا بد أن تكون المصلحة فيه راجحة على المفسدة إذ بهذا بعث الرسل ونزلت الكتب والله لا يحب الفساد بل كل ما أمر الله به فهو صلاح فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم تكن مما أمر الله به ) وقال : ( وجماع ذلك داخل في القاعدة العامـة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد فإن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكون مأموراً به بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو ميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنه وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر ) الحسبة ص 63 .
أما علامة التعجب التي ظهرت في ردك لي عن إدخالي النفط وبعض الأمور السياسيه
في ما طرحته لك سابقاً فإنني أصلحك الله لأتعجب من إسفافك بنا وكأننا لانربط الأمور
أو كأنك تحاول أن تغض الطرف عن هذه المسأله لكي لانناقشها ....
أعلم أن مقدرات الثروه النفطيه والتي تذهب كالسيل الجارف المتواصل إلى العدو كالغرب
وما يقومون به من تزويد عملياتهم العسكريه وتقوية نفوذهم على المسلمين لهو الأحق
أن ننكره أولاً وبأي طريقه يجيزها الشرع لنا كما بينا سابقاً ....... والمسأله في هذه
تطول ولكني آثرت أن أعلق على إستغرابك من إدخال مسألة النفط وما شابهها من قضايا العصر.....................................
السلام عليكم.....
فنيان
23-06-2006, 03:58 PM
أخي الحبيب المحامي،،
مرورك شرف لي،،
رعاك الله وحفظك،،
ووفقني الله وإياك والمسلمين لما يحب ويرضى،،