PDA

View Full Version : مسألة طال حولها الجدل..إهداء القرآن للأموات..هل بدعة أم سنة؟؟


ساهر_الليل
06-01-2005, 10:32 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هل ثواب قراءة القرآن يصل للميت من غير الولد أم لا..؟؟ فأقول وبالله التوفيق

لقد اختلف المسلمون قديما وحديثاً في هذه المسألة فمنهم من قال بوصول الثواب للميت مطلقاً ومنهم من قال : لا يصله ثوابها لانها ليست من كسبه.

ونحن معشر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها مأمورون عند التنازع أن نرد ما اختلفنا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً )

وقد تم الاتفاق فيما بيننا بأن تكون الأجوبة من الكتاب ومن السنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وها أنذا أنقل لك أقوال الفريقين مع ذكر أدلتهم لتكون على بينة من الأمر وحكماً في المسألة ، وسأبين لك الدليل الأقوى إن شاء الله تعالى.

أهل التفسيـــر /

قال الحافظ ابن كثير(462:6) على قوله تعالى ( أن لا تزر وازرة وزر أخرى. وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) ما نصه: أي كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها لا يحمله عنها أحد كما قال ( وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ) . ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) أي كما لا يحمل عليه وزر غيره ، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه ،

ومن هذه الأية الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم ولهذا لم يندب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا ايماء ولم ينقل ذلك عن أحد الصحابة رضي الله عنهم ولو كان خيراً لسبقونا إليه القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بانواع الأقسية والآراء فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما.

وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا مات الانسان انقطع عمله الا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له أو صدقة جارية من بعده أو علم ينتفع به ) فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعية وكده وعمله كما جاء في الحديث ( إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه ) والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه وقد قال تعالى ( إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم) الآية.

والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو ايضا من سعيه وعمله وثبت في الصحيح ( من دعا الى هدى كان له من الآجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً ) أ.هــ

" إن كل ما جرت به العادة من قراءة القرآن والاذكار واهداء ثوابها إلى الأموات واستئجار القراء وحبس الأوقاف على ذلك بدع غير مشروعة ومثلها ما يسمونه اسقاط الصلاة ولو كان لها أصل في الدين لما جهلها السلف ولو علموها لما أهملوا العمل بها "

وقال ايضا ( وإن حديث قراءة سورة يس على الموتى غير صحيح وإن أريد به من حضرهم الموت وإنه لم يصح في هذا الباب حديث قد كما قال بذلك المحدث الدارقطني

أقوال أصحاب المذاهب الأربعة /

مذهب الأحناف :

قال ملا علي القاري في شرحه لكتاب الفقه الأكبر للامام ابي حنيفة رحمه الله ، ما نصه ( ثم القراءة عند القبور مكروهة عند ابي حنيفة ومالك احمد رحمهم الله في رواية عنه لان محدث لم ترد السنة وكذلك قال شارح الأحياء مثل ذلك )

مذهب المالكية :

قال الشيخ ابن ابي حمزة ( ان القراءة عند المقابر بدعة وليست بسنة) كذا في المدخل وقال الشيخ في كتاب الشرح الصغير( 180:1) ( وكره قراءة شيء من القرآن عند الموت وبعده وعلى القبور لأنه ليس من عمل السلف وانما كان من شأنهم الدعاء بالمغفرة والرحمة والاتعاظ) وكذلك في حاشية العلامة العدوي على شرح ابي الحسن نقلا عن المجموع شرح المهذب( 237:10)

مذهب الشافعية :

استدل الامام الشافعي رحمه الله على عدم وصول القراءة للأموات بآية ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) وبحديث: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث.. الحديث .

وقال الامام النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث( وأما قراءة القرآن وجعل ثوابها للميت والصلاة عنه ونحوها فمذهب الشافعي والجمهور أنها لا تلحق الميت ) كرر ذلك في عدة مواضع من شرح مسلم كما مر. وقال في شرح المنهاج لابن النحوي ( لا يصل الى الميت عندنا ثواب القراءة على المشهور) أ.هــ

مذهب الحنابلة :

قال الامام أحمد لمن رآه يقرأ على القبر ( يا هذا إن قراءة القرأن على القبر بدعة) وهو قول جمهور السلف وعليه قدماء اصحابه, وقال( والقراءة على الميت بعد موته بدعة ) , وقال ايضا ( ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعاً أو صاموا تطوعا أو حجوا تطوعا أو قرؤوا القرآن يهدون ثواب ذلك الى موتى المسلمين فلا ينبغي العدول عن طريق السلف)

وقال الامام ابو الحسن البعلي في الاختيارات ( ولا يصح الاستئجار على القراءة واهداؤها إلى الميت لأنه لم ينقل عن أحد من العلماء الاذن في ذلك، وقد قال العلماء: إن القارئ إذا قرأ لاجل المال فلا ثواب له فأي شيء يهدي إلى الميت؟؟ وإنما يصل الى الميت العمل الصالح والاستئجار على مجرد التلاوة لم يقل يه أحد من الأئمة وانما تنازعوا في الاستئجار على التعليم- أي منهم من أباح الاجرة على تعليم القرآن ومنهم من لم يبحها- وقال في شرح الاقناع : قال الاكثر ( لا يصل الى الميت ثواب القراءة وان ذلك لفاعله )
من كتاب حكم القراءة للأموات لمحمد أحمد عبدالسلام من علماء الأزهر(ص 25)

وقال ابن القيم في الزاد ما نصه ( ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم أن يجتمع للعزاء ويقرأ له القرآن لا عند قبره ولا غيره وكل هذا بدعة حادثة مكروهة )

كلام علماء الأصول /

قال صاحب كتاب طريق الوصول الى ابطال البدع بعلم الاصول بعد ما ذكر قاعدة اصولية نفيسة ما نصه ( من هذه القاعدة الجليلة تعلم أن أكثر ما تفعله العامة من البدع المذمومة ( ولنذكر لك امثلة ) :

الأول : قراءة القرآن على القبور رحمة بالميت تركه النبي صلى الله عليه وسلم وتركه الصحابة مع قيام المقتضى للفعل والشفقة للميت وعدم المانع منه فمبقتضى القاعدة المذكورة يكون تركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة ، وكيف يعقل أن يترك الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً نافعاً لآمته يعود عليها بالرحمة يتركه الرسول صلى الله عليه وسلم طول حياته ولا يقرأ على ميت مرة واحدة.؟ ) نقلا عن المجموع (428:10)

أقول من اراد مزيداً من الاطلاع فليراجع هذا البحث المفصل في كتاب المجموع (417:10) ثم ينظر الى أقوال باقي المفسرين وأهل الحديث والفقه والأصول في هذه المسألة وكل القائلين بذلك من أهل السنة والجماعة وليس فيهم وهابي واحد كما يزعم عباد القبور وانصار الضلالة والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

قد يستدل الخصوم بحديث ( اقرأوا على موتاكم يس )

فأقول : لقد كفانا الآمام ابن القيم مؤنة الجواب فقال ( واما حديث " اقرأوا على موتاكم يس ) فهو حديث معلول ومضطرب الاسناد مجهول السند. وعلى فرض صحته فلا دلالة فيه قطعا فإن المراد من قوله " موتاكم" أي من حضرة الموت حيث يكون ضعيف البنية.ساقط الاعضاء قد أقبل على الله بكليته فيقرأ عليه ما يزداد به قوة قلب ، فهذا قطعاً من عمله في حياته وخصت :يس بهذه الحالة لما فيها من ذكر الله وتوحيده وتبشيره بما أعده الله لعباده الصالحين)

فهذه المعاني كلها في سورة يس وهذا ما قاله الفخر الرازي والعلامة العزيزي على الجامع الصغير في شرحه لهذا الحديث.

وقال الفيروز أبادي ( قراءة القرآن بدعة مذمومة) من المجموع ( 427:10)

ويشهد لقول ابن القيم على تفسيره كلمة موتاكم أي حضرتهم مقدمات الوفاة قوله صلى الله عليه وسلم ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ) فقد كان صلى الله عليه وسلم يلقنها عمه وهو في النزع ويقول له ( يا عم . قل لا إله إلا الله كلمة احاج لك بها عند الله ) رواه مسلم. والله أعلم.

وخلاصة القول أن إهداء ثواب القرآن للميت لا يصل لأنه ليس من فعل السلف قبلنا وكذلك قراءة القرآن على الأموات بدعة مذمومة وليست من هدي القرون الثلاثة المفضلة والخير كله في أتباع من سلف ، والحمد لله رب العالمين.

( المرجع / أسئلة طال حولها الجدل ، الشيخ أبو يوسف عبدالرحمن عبدالصمد )

والله الموفق