PDA

View Full Version : الإنتماء الإقليمي : عصبيات في الماضي و لكنها ديانات الحاضر


طه66
12-01-2002, 09:39 PM
"العصبية شر لا بد منه" فهي ركن اساسي في ما يعرف "بسنة التدافع" و التي تدفع الأفراد من مختلف العصبيات إلى التنافس من أجل تحقيق مكاسب لعصبياتهم. و تكون العصبيية عصبية محمودة، عندما يكون الهدف منها تحقيق مكاسب عملية للشعب كله و تحقيق مكاسب فخرية للعصبية. و تكون العصبية عصبية مذمومة، عندما يكون الهدف منها تحقيق مكاسب عملية للعصبية على حساب مصلحة ووحدة الشعب كله. من أجل ذلك لم يطلب الإسلام من المسلمين التخلي عن إنتماءاتهم العصبية، بل أمرهم بجعلها عصبيات محمودة و توضيفها دائما لخدمة الإسلام و المسلمين جميعا.

الدعوة الإقليمية و العرقية بين الماضي و الحاضر:
كانت الإقليمية و العرقية تعد في الماضي من العصبيات، مثلها مثل القبلية. ففي أسوأ حالتها كانت كل قئة تنادي لنفسها بمناصب معينة في الدولة لتستعلي بها على غيرها من الفئات بحجة أنها أحق الجميع و أقدرهم على خدمة الإسلام و المسلمين، و تنادي لنفسها بمكاسب أكثر من غيرها من الفئات بحجة أنها تستحقه لمكانتها التاريخية أو الدينية و لتضحيات أفرادها.

أما الدعوة الإقليمية و العرقية المعاصرة، فهي دعوة إلى إنفصال المسلمين إلى عدة شعوب، لكل منها حدوده الدولية المعترف بها، و هو أمر لم نعهده من قبل و لا يعد من صفات الدعوة العصبية. غير أن دعاتها أرادوا لنا أن نبقي على إعتقادنا القديم أنها عصبيات، لغاية خبيثة في نفوسهم، و قالوا لنا إنها عصبيات محمودة لأنها لا تقوم على إستعلاء فئة على أخرى، و لا على إقتطاع ثروات و مكتساب الجميع لصالح فئة دون أخرى. فالهدف منها في النهاية هو خدمة الدين، من خلال إعطاء الفرصة لكل فئة لبناء نفسها و تقوية قوتها العسكرية و الإقتصادية بعيدا عن إستعلاء و ظلم الفئات الأخرى.

غير أن هذا هو الوجه البريء لهذه الدعوات، أما الوجه الحقيقي لها و الذي نعيشه واقعا عمليا، أن الدعوات المعاصرة تقوم أساسا على فكرة تمجيد الوطن الإقليمي فوق كل شيء، و جعل حدوده المصطنعة حدودا مقدسة يتوقف عندها إحساس الولاء و التبعية و الغيرة، و جعل مصالح الشعب الجديد أعظم و أهم من أية مصالح أو أهداف أخرى و لو كانت إسلامية. فالدولة الحديثة قامت، و منذ أول يوم لها، على عقيدة مهمة و هي أن الإنتماء الإقليمي هو المهيمن الأول و الأساسي على كل شيء يخص الدولة و أفرادها حتى في أدق تفاصيل حياتهم اليومية.

ولكن هذه الإمتيازات كانت من حق الدين وحده في الدولة القديمة، فهل نحن نتجنى على الدولة الحديثة عندما نصفها بهذه الأوصاف؟ الحقيقة أننا لم نبالغ أبدا في إعطاء الدولة الحديثة تلك الأوصاف، فالأمر يصبح طبيعيا حين ندرك السنة الكونية التي تقوم عليها الدول بقديمها و حديثها، و التي تلقي الضوء على خطورة إختيار الأساس الذي يقوم عليه شعب الدولة، و من ثم الدولة و نظام المواطنة فيها. و تنص هذه القاعدة على أن الرابطة المميزة للدولة و شعبها، أين كانت (و الدولة و شعبها يحملان إسم الرابطة المميزة)، هي دائما المهيمن الأول و الحقيقي على حياة الأفراد. و بالتالي فقد صدق من قال أن الإقليمية و العرقية ماهي إلا ديانات هذا العصر، لأنها تمتلك قوة و سلطان الدين في الدولة القديمة.

هل يمكننا إعادة الإقليمية و العرقية إلى حجمهم الطبيعي كعصبيات؟ الجواب أن هذا مستحيل و لا يمكن تحقيقه، فالناس لا تنقص أفكارهم و مبادئهم و لكنها تزيد. و إن محاولة المسلمين القفز فوق الإقليمية و العرقية بالتوعية و الإرشاد و تقوية الإيمان، ما هي إلا محاولة للسباحة ضد تيار الواقع. نحن علينا أن نتقبل أن الإقليمية و العرقية قد تطورت معانيها، و أنها أصبحت في موقع يجب أن نتعامل معها على كونها ديانات و ليس عصبيات.

من أجل ذلك أصبح كل مسلم مطالب بإسقاط إعترافه بوجود الشعوب الإقليمية الإسلامية و التنكر نهائيا للإنتماء إليها و التوقف عن إستخدام أسمائها في معاملاته الومية. لأن الإعتراف بها و الإعتراف بالإنتساب إليها، هو إعتراف بإن الإسلام لا يملك الحق في أن يكون المهيمن الأول و لا الأساسي على عوام المسلمين. و إذا كان بعض المسلمين من ذوي الإيمان القوي الخارق يستطيعون تجاوز هذه السنن، فإن الغالبية العظمى من المسلمين لا يستطيعون ذلك. و حتى هؤلاء المؤمنين هم أيضا مطالبين بنفس الأمر إلا إذا إختار أحدهم أن يعزل نفسه في الجبال فلا يراه أو يتعامل معه أحد من عوام المسلمين.