View Full Version : الصغير الجامع لأحكام الصيام وآدابه/ المنجد، الهلالي، الحلبي
فنيان
24-11-2001, 07:00 PM
هذا موضوع رتبه واحد من الشباب، الله يحفظه ويخليه، وأنا إن شاء الله أحطه لكم عشان تستفيدون منه وكلنا نستفيد ونتعلم
عشان نصوم لزم نعرف كيف نصوم... صح ولا خطأ؟!
هني نعرف كيف نصوم
والموضوع صراحة قريته وعجبني وايد وايد، لأنه صدق مختصر وصغير ومرتب في فقرات صغيرة ... ما حط فيه مناظرات ولا مناقشات إلا الكلام الواضح والسهل اللي كل حد يفهمه...
ولو كان شوي متأخر ... بس ما عليه انتو تسامحونا إن شا الله.
الصغير الجامع لأحكام الصيام وآدابه
هذه الرسالة مستفادة بكليتها من "سبعون مسألة في الصيام"، لمحمد المُنجِّد، وفيها زيادات من "صفة الصوم"، تأليف: سليم الهلالي وعلي الحلبي. ولا يخفى على ذي اطلاع ما للمشائخ من التحقيق والتنقيح وسعة الاطلاع. وتتميَّز هذه الرسالة بدقة المعلومات ونقاوتها وفق الكتاب والسنة الصحيحة وخلوها من الأحاديث الضعيفة والآراء المرجوحة والشاذة.
المقدمة:
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد، فإن الله قد امتنَّ على عباده بمواسم الخيرات، فيها تضاعف الحسنات وتمحى السيئات وترفع الدرجات، تتوجه فيها نفوس المؤمنين إلى مولاها، فقد أفلح من زكاها وقد خاب من دسَّاها. وما خلق الله الخلق إلا لعبادته فقال تعالى: (وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون)، ومن أعظم العبادات الصيام الذي فرضه الله على العباد فقال تعالى: (كـُتِبَ عليكم الصيام كما كـُتِبَ على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، ورَغَّبَهم فيه فقال تعالى: (وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون)، وأرشدهم إلى شكره على فرضه بقوله سبحانه: (ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)، وحببّه إليهم وخففه عليهم لئلا تستثقل النفوس ترك العادات وهجر المألوفات فقال عزّ وجل: (أياماً معدودات)، ورحمهم ونأى بهم عن الحرج فقال سبحانه: (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر)، فلا عجب أن تـُقبل قلوب المؤمنين في هذا الشهر على ربهم الرحيم، يخافونه من فوقهم ويرجون ثوابه والفوز العظيم. ولمَّا كان قدر هذه العبادة عظيماً كان لا بُدَّ من تعلـُّم الأحكام المتعلقة بشهر الصيام، ليعرف المسلم ما هو واجب فيفعله وما هو حرام فيجتنبه وما هو مباح فلا يُضَيِّقَ على نفسه بالامتناع عنه. وهذه الرسالة تتضمن خلاصات في أحكام الصيام وآدابه وسننه. عسى الله أن ينفعنا بها، والحمد لله رب العالمين.
ما هو الصيام؟:
هو الإمساك عن المُفطـِّرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس بالنية. وأجمعت الأمة على أن صوم شهر رمضان فرضٌ، والدليل من الكتاب قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كـُتِب عليكم الصيام كما كـُتِبَ على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: (بُنِيَ الإسلام على خمس: ..)، وذكر منها صوم رمضان. ومن أفطر شيئاً من رمضان بغيرِ عذرٍ فقد أتى كبيرة عظيمة، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا التي رآها: (حتى إذا كنتُ في سواء الجبل، إذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عواء أهل النار، ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم مُعَلـَّقِينَ بعراقيبهم مُشَقـَّقة أشدُاقهُم تسيلُ أشداقهم دماً، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: الذين يُفطرون قبل تحِلـَّة صومهم [أي قبل وقت الإفطار]). قال الذهبي رحمه الله: "وعند المؤمنين مُقرَّرٌ أن من ترك صوم رمضان من غير عذر أنه شرٌّ من الزاني ومدمن الخمر، بل يَشُكـُّون في إسلامه ويظنون به الزندقة والانحلال"، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: "إذا أفطر في رمضان مستحلاً لذلك وهو عالم بتحريمه استحلالاً له وجب قتله، وإن كان فاسقاً عوقب عن فطره في رمضان".
فضل الصيام:
[1] اختصَّ الله الصيام لنفسه وأنه يجزي به، فيُضاعف أجرَ صاحبه بلا حساب، (إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به). [2] أن الصوم لا عِدلَ ولا مثل له. [3] أن دعوة الصائم لا تـُرَدّ. [4] أن الله أعدَّ للصائمين والصائمات مغفرة وأجراً عظيماً. [5] أن الصيام يشفع للعبد يوم القيامة يقول: (أي ربِّ منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه). [6] أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. [7] أن الصوم جُنـَّة وحصن حصين من النار. [8] أن من صام يوماً في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم وجهَهُ عن النار سبعين خريفاً. [9] أن من صام يوماً ابتغاء وجه الله خُتِمَ له به دخل الجنة. [10] أن في الجنة باباً يُقال له الرَّيان يدخلُ منه الصائمون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلِقَ فلم يدخل منه أحد. [11] أن للصائم فرحتين إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربّه فرح بصومه. [12] أن من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض.
فضل رمضان:
[1] ركن الإسلام. [2] أنزِلَ فيه القرآن. [3] فيه ليلة خيرٌ من ألف شهر. [4] (إذا دخل رمضان فـُتـِّحت أبواب الجنة وغُلـِّقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين). [5] صيامه يعدل صيام عشرة أشهر. [6] من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه. [7] لله عزّ وجل عند كلِّ فطر عتقاء.
فنيان
24-11-2001, 07:01 PM
من فوائد الصيام:
مدار فوائد الصيام على التقوى التي ذكرها الله عز وجل في قوله: (لعلكم تتقون)، وبيان ذلك: [1] أن النفس إذا امتنعت عن الحلال طمعاً في مرضاة الله تعالى وخوفاً من عقابه فأولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام. [2] أن الإنسان إذا جاع بطنه اندفع جوعُ كثير من حواسِّه، فإذا شبع بطنه جاع لسانه وعينه ويده وفرجه. [3] الصيام يؤدي إلى قهر الشيطان وكسر الشهوة وحفظ الجوارح. [4] أن الصائم إذا ذاق ألم الجوع أحسَّ بحال الفقراء فرحمهم وأعطاهم ما يَسُدُّ جَوعتهم، إذ ليس الخبر كالمعاينة، ولا يعلم الراكب مشقة الراجل إلا إذا ترجّل. [5] أن الصيام يربي الإرادة على اجتناب الهوى والبُعد عن المعاصي، إذ فيه قهرٌ للطبع وفطمٌ للنفس عن مألوفاتها. [6] فيه اعتياد النظام ودقة المواعيد، مما يعالج فوضى الكثيرين لو عقلوا. [7] فيه إشاعة الشعور بالجسد الواحد، فتصوم الأمة وتفطر في شهر واحد. [8] فيه فرصة عظيمة للدعاة إلى الله سبحانه، فهذه أفئدة الناس تهوي إلى المساجد، ومنهم من يدخله لأول مرة ومنهم من لم يدخله منذ زمن بعيد، وهم في حال رِقـَّة قلبٍ نادرة، فلا بُدَّ من انتهاز الفرصة بالمواعظ المُرقـِّقة والدروس المناسبة والكلمات النافعة مع التعاون على البرّ والتقوى [وعلى الداعية أن لا ينشغل بالآخرين كليّاً وينسى نفسه فيكون كالفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها].
آداب الصيام وسننه [ومنها ما هو واجب وما هو مستحب]:
[1] الحرص على السحور وتأخيره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تسحروا فإن في السحور بركة)، فهو (الغداء المبارك)، وفيه مخالفة لأهل الكتاب، والله تعالى وملائكته يصلون على المتسحرين. و(نِعمَ سحور المؤمن التمر). ويجعل بين السحور والأذان قدر خمسين آية. [2] تعجيل الفطر، لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يزال الناس بخير ما عجّلوا الفطر). وأن يُفطِر على ما ورد في حديث أنس رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يُفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء). ويقول بعد إفطاره ما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر قال: ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله) [والأفضل الاقتصار على هذا، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن ليترك الأفضل]. ويدعو بما يشاء لقوله صلى الله عليه وسلم: (للصائم عند فطره دعوة لا ترد). [3] البعد عن الرفث [وهو الوقوع في المعاصي] لقوله صلى الله عليه وسلم: (.. إذا كان يومَ صومِ أحدكم فلا يرفـُث ..)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه). وينبغي أن يجتنب الصائم جميع المحرمات كالغيبة والفحش والكذب، فربما ذهبت بأجر صيامه كله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رُبَّ صائِمٍ ليسَ له من صيامه إلا الجوع والعطش). ومما أذهب الحسنات وجلب السيئات الانشغال بالفوازير والمسلسلات والأفلام والمباريات والجلسات الفارغات والتسكع في الطرق مع الأشرار ومضيعي الأوقات وكثرة اللهو بالسيارات وازدحام الأرصفة والطرق، حتى صار شهر التهجُّد والذكر والعبادة عند كثير من الناس شهرَ نومٍ بالنهار لئلا يحصل الإحساس بالجوع، ويضيعُ من جَرَّاءِ ذلك ما يضيع من الصلوات ويفوت ما يفوت من الجماعات، ثمَّ لهوٌ بالليل وانغماس في الشهوات. والبعض يستقبل الشهر بالضجر لما سيفوته من الملذات. وبعضهم يسافر في رمضان إلى بلاد الكفار للتمتع بالإجازات! حتى المساجد لم تخلُ من المنكرات، من خروج النساء متبرجات متعطرات. وحتى بيت الله الحرام لم يسلم من كثير من هذه الآفات. وبعضهم يجعل الشهر موسماً للتسوُّل وهو غير محتاج. وبعضهم يلهو فيه بما يَضُرُّ كالألعاب النارية والمفرقعات، وبعضهم ينشغل بالصَّفقِ في الأسواق والتطواف على المحلات. وبعضهن بالخياطة وتتبع الموضات. وتنزل البضائع الجديدة والأزياء الحديثة في العشر الأواخر الفاضلات؛ لتشغل الناس عن تحصيل الأجور والحسنات. [4] أن لا يصخب، لقوله صلى الله عليه وسلم: (.. وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم، إني صائم [فالأولى تذكيرٌ لنفسه والأخرى تذكيرٌ لخصمه]). والناظر في أخلاق عدد من الصائمين يجد خلاف هذا الخُلق الكريم، فيجب ضبط النفس. وينبغي استعمال السكينة، وهذا ما ترى عكسه في سرعات السائقين الجنونية عند أذان المغرب. [5] عدم الإكثار من الطعام، لحديث: (ما ملأ ابن آدم وعاءً شرَّاً من بطنٍ ..)، والعاقل إنما يريد أن يأكل ليحيا لا أن يحيا ليأكل، وإن خير المطاعم ما استخدمت وشرها ما خُدمت. وقد انغمس الناس في صنع أنواع الطعام، وتفننوا في الأطباق حتى ذهب ذلك بوقتِ ربات البيوت والخادمات وأشغلهن عن العبادة، وصار ما يُنفق من الأموال في ثمن الأطعمة أضعاف ما يُنفق في العادة، وأصبح الشهر "شهر التخمة والسمنة وأمراض المعدة". يأكلون أكل المنهومين، ويشربون شرب الهيم، فإذا قاموا إلى صلاة التراويح قاموا كسالى، وبعضهم يخرج بعد أول ركعتين. [6] الجود بالعلم والمال والجاه والبدن والخُلـُق، وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس [بالخير]، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجودَ بالخير من الريح المرسلة)، فكيف بأناس استبدلوا الجود بالبخل والنشاط في الطاعات بالكسل والخمول فلا يتقنون الأعمال ولا يُحسنون المعاملة متذرعين بالصيام. والجمع بين الصيام والإطعام من أسباب دخول الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفاً يُرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام وألان الكلام وتابع الصيام وصلى بالليل والناس نيام)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من فطـَّر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء)، قال شيخ الإسلام رحمه الله: "والمراد بتفطيره أن يُشبعه". وقد آثر عدد من السلف الفقراءَ على أنفسهم بطعام إفطارهم، منهم أم المؤمنين عائشة وعبد الله بن عمر ومالك بن دينار وأحمد بن حنبل وغيرهم رضي الله عنهم، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين. [7] تهيئة الأجواء والنفوس للعبادة. [8] الإسراع إلى التوبة والإنابة. [9] الفرح بدخول الشهر. [10] إتقان الصيام. [11] الخشوع في التراويح. [12] عدم الفتور في العشر الأواسط. [13] تحَرِّي ليلة القدر. [14] مواصلة ختمة بعد ختمة مع التباكي والتدبُّر. [15] عمرة في رمضان تعدل حجة. [16] الصدقة في الزمان الفاضل مُضاعَفة. [17] الاعتكاف في رمضان مُؤَكـَّد. [18] تبشير الناس بدخول الشهر وحثهم على الاعتناء به، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُبَشِّر أصحابه بقدوم شهر رمضان ويحثـُّهم على الاعتناء به، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاكم رمضان شهر مبارك، فرض الله عز وجلّ عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلـَّق فيه أبواب الجحيم، وتـُغلُّ فيه مَرَدَة الشياطين، فيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم).
فنيان
24-11-2001, 07:05 PM
أحكام ومسائل الصيام
أنواع الصيام:
[1] من الصيام ما يجب التتابع فيه [كصوم رمضان وصوم كفارات القتل الخطأ والظـِّهار والجماع في نهار رمضان]، ومن نذر صوماً متتابعاً لزِمَهُ. ومن الصيام ما لا يلزم فيه التتابع [كقضاء رمضان وصيام عشرةِ أيامٍ لمن لم يجد الهدي وصوم كفارة اليمين وصوم الفدية في محظورات الإحرام وصوم النذر المطلق لمن لم ينوِ التتابع]. [2] صيام التطوع يجبر نقص صيام الفريضة [ومن أمثلته عاشوراء وعرفة وأيام البيض والاثنين والخميس وستٍّ من شوال والإكثار من الصيام في محرم وشعبان]. [3] وردَ النهيُ عن إفراد الجمعة [دون سبب] بالصوم، وعن صيام السبت في غير الفريضة، وعن صوم الدَّهر، وعن الوصال في الصوم [وهو أن يواصل يومين أو أكثر دون إفطار بينهما]. [4] يحرمُ صيام يومي العيد وأيام التشريق [وهي 11 و12 و13 من ذي الحجة] لأنها أيامُ أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله، ويجوز لمن لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق بمنى.
كيف يثبت دخول شهر رمضان؟:
[5] يثبت دخول شهر رمضان برؤية هلاله أو بإتمام شعبان ثلاثين يوماً، ويجب على من رأى الهلال أو بلغه الخبر من ثقةٍ أن يصوم. وأما العمل بالحسابات في دخول الشهر فبدعة [وليس المقصود بالحسابات التنجيم أو الكهانة؛ إذ لا خلاف في حرمة ذلك بل هو شرك أو وسيلة إليه ولكن المقصود هو علم الفلك المبني على القواعد الرياضية والحسابات الحولية، هي التي لا يعمل بها لمعرفة دخول الشهر من عدمه، وذلك لأن الله لم يتعبد الناس إلا بما يُرَى بالعين المُجرَّدة، وقد صام صلى الله عليه وسلم مرة بشهادة ابن عمر رضي الله عنه ومرة بشهادة أعرابي، وذلك ظني الدلالة ولا ريب، ولكنه ظنٌّ راجح وليس بظنٍّ مرجوح، وحتى المعتزلة قالوا بوجوب العمل بالظن الراجح في الفقه! وخبر الفلكيين ليس بقطعي [كما يَدَّعي البعض]؛ لأنه مبني على مُعطيات، والمعطيات منها القطعي ومنها الظني بل ومنها الخطأ، والذي يُجري الحساب يقع منه الخطأ والنسيان، وما أبعد رؤية الشهود عن مثل هذه الأخطاء، فالشاهد إما أن يرى وإما أن لا يرى. والمُثبت مُقدَّمٌ على النافي [كما هو مقرر في أصول الفقه]. ولا أدلَّ على خطأ الحسابات مما حصل في هذا البلد في سنة سابقة حين أخطأ الحساب "القطعي"! وأصابت شهادة الشهود "الظنية"! فليتقِ الله من يصدر هذه الفتاوى، وليعلم أن ذلك قد يجر الناس إلى التفرق وإلى آثام يتحمل هو عقباها]، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم نصٌّ صريح في المسألة: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، فإذا أخبر المسلم البالغ العاقل الموثوق بخبره لأمانته وبصره أنه رأى الهلال بعينه عُمِلَ بخبره.
من هم المكلفون بالصيام؟:
[6] يجبُ الصِّيامُ على كلِّ مسلمٍ بالغ عاقل مقيم قادر سالم من الموانع [كالحيض والنفاس]، و يحصل البلوغ بواحد من أمور ثلاثة، إنزال المني [باحتلام أو غيره]، نبات شعر العانة الخشن حول القـُبُل، إتمام 15 سنة، وتزيد الأنثى أمراً وهو الحيض، فيجب عليها الصيام ولو حاضت قبل سنّ العاشرة. [7] يُؤمَرُ الصبي بالصيام لسبعٍ إن أطاقه، وذكر بعض أهل العلم أنه يُضرب على تركه لعشرٍ [كالصلاة]. وأجر الصيام للصبي، ولوالديه أجرُ التربية والدلالة على الخير، عن الرُبيِّع بنت معوِّذ رضي الله عنها قالت في صيام عاشوراء لما فـُرِض: (كنا نُصوِّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار)، وبعض الناس يتساهل في أمر أبنائه وبناته بالصيام، بل ربما صامَ الولدُ متحمّساً وهو يُطيق فأمره أبوه أو أمه بالإفطار شفقة عليه بزعمهما، وما علموا أنَّ الشفقة الحقيقية بتعاهده بالصيام، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شِداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون). وينبغي الاعتناء بصيام البنت في أول بلوغها، فربما تصوم إذا جاءها الدَّمُ خجلاً ثم لا تقضي. [8] إذا أسلم الكافر أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون أثناء النهار لزمهم الإمساك بقية اليوم لأنهم صاروا من أهل الوجوب، ولا يلزمهم قضاء ما فات من الشهر لأنهم لم يكونوا من أهل الوجوب في ذلك الوقت. [9] المجنون مرفوعٌ عنه القلم، فإن كان يُجَنُّ أحياناً ويُفيق أحياناً لزمه الصيام في حال إفاقته دون حال جنونه، وإن جُنَّ في أثناء النهار لم يَبطل صومه كما لو أغمي عليه بمرضٍ أو غيره لأنه نوى الصيام وهو عاقل. ومثله في الحكم المصروع. [10] من مات أثناء الشهر فليس عليه ولا على أوليائه شيءٌ فيما تبقى من الشهر. [11] من جهل فرض الصوم في رمضان أو جهل تحريم الطعام أو الوطء فجمهور العلماء على عذره إن كان يُعذر مثله [كمن نشأ بين الكفار وحديث العهد بالإسلام والمسلم في دار الحرب]، أما إن كان بين المسلمين ويمكنه السؤال والتعلم فليس بمعذور.
الصيام في السفر:
[12] يُشترط للفطر في السفر أن يكون سفراً مسافة أو عرفاً [على الخلاف المعروف بين أهل العلم]، وأن يُجاوز البلد وما اتصل به من بناء، وقد منع الجمهور من الإفطار قبل مغادرة البلد وقالوا إن السفر لم يتحقق بعد، بل هو مقيم وشاهد، وقد قال تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)، ولا يوصف بأنه مسافر حتى يخرج من البلد، أما إذا كان في البلد فله أحكام الحاضرين، ولذلك لا يقصر الصلاة. ويشترط أن لا يكون سفره سفر معصية [عند الجمهور]، وأن لا يكون قصَدَ بسفره التحيُّل على الفطر. ويجوز الفطر للمسافر باتفاق الأمة سواءً كان قادراً على الصيام أم عاجزاً وسواء شقَّ عليه الصوم أم لم يشقَّ، بحيث لو كان مسافرا في الظلّ والماء ومعه من يخدمه جاز له الفطر والقصر. ومن عزم على السفر في رمضان فإنه لا ينوي الفطر حتى يسافر؛ لأنه قد يعرض له ما يمنعه من سفره. ولا يُفطر المسافر إلا بعد خروجه ومفارقة بيوت قريته العامرة المأهولة فإذا انفصل عن بنيان البلد أفطر، وكذا إذا أقلعت به الطائرة وفارقت البنيان، وإذا كان المطار خارج بلدته أفطر فيه، أما إذا كان المطار في البلد أو ملاصقاً لها فإنه لا يُفطر فيه لأنه لا يزال في البلد. إذا غربت الشمس فأفطر على الأرض ثم أقلعت به الطائرة فرأى الشمس لم يلزمه الإمساك لأنه أتمَّ صيام يومه كاملاً، فلا سبيل إلى إعادة العبادة بعد فراغه منها صحيحة. وإذا أقلعت به الطائرة قبل غروب الشمس وأراد إتمام صيام ذلك اليوم في السفر فلا يُفطر إلا إذا غربت الشمس في المكان الذي هو فيه من الجوّ، ولا يجوز للطيار أن يهبط إلى مستوى لا ترى فيه الشمس لأجل الإفطار لأنه تحايل [والحيل باطلة لا ينبني عليها شيء]، لكن إن نزل لمصلحة الطيران فاختفى قرص الشمس أفطر. من وصل إلى بلد ونوى الإقامة فيها أكثر من أربعة أيام وجب عليه الصيام من أول يوم غير يوم السفر [عند جمهور أهل العلم]، فالذي يسافر للدراسة في الخارج أشهراً أو سنواتٍ، فالجمهور [ومنهم الأئمة الأربعة] أنه في حكم المقيم، يلزمه الصوم والإتمام. وإذا مرَّ المسافر ببلدٍ غير بلده فليس عليه أن يُمسك إلا إذا نوى الإقامة فيها أكثر من أربعة أيام فإنه يصوم لأنه في حكم المقيمين. من ابتدأ الصيام وهو مقيمٌ ثم سافر أثناء النهار جازَ له الفطر؛ لأن الله جعل مطلق السفر سبباً للرخصة. ويجوز أن يُفطر مَن عادَتـُهُ السفر إذا كان له بلد يأوي إليه [كالبريد الذي يُسافر في مصالح المسلمين وأصحاب سيارات الأجرة والطيارين والموظفين] ولو كان سفرهم يومياً، وعليهم القضاء، وكذلك المَلاّح الذي له مكانٌ في البَرِّ يسكنه، فأما من كان معه في السفينة امرأته وجميع مصالحه ولا يزال مسافراً فهذا لا يَقصُر ولا يُفطِر. والبدوُ الرُّحَّل إذا كانوا في حال ظعنهم من المشتى إلى المصيف ومن المصيف إلى المشتى جاز لهم الفطر والقصر وأما إذا نزلوا بمشتاهم ومصيفهم لم يُفطروا ولم يقصروا وإن كانوا يتتبعون المراعي. إذا قدم المسافر في أثناء النهار ففي وجوب الإمساك عليه نزاع مشهور بين العلماء، والأحوط له أن يُمسك مراعاة لحرمة الشهر، لكن عليه القضاء [أمسك أو لم يُمسك]. إذا ابتدأ الصيام في بلد ثم سافر إلى بلد صاموا قبلهم أو بعدهم فإن حكمه حكم من سافر إليهم فلا يفطر إلا بإفطارهم [ولو زاد عن ثلاثين يوماً]، لقوله صلى الله عليه وسلم: (الصوم يوم تصومون والإفطار يوم تـُفطرون)، وإن نقص صومه عن تسعة وعشرين يوماً فعليه إكماله بعد العيد إلى تسعة وعشرين يوماً [لأن الشهر لا ينقص عن تسعة وعشرين يوماً].
(ومن كان مريضاً ..):
[13] كل مرض خرجَ به الإنسان عن حدِّ الصِّحَّة يجوز أن يُفطر به، والأصل في ذلك قول الله تعالى: (.. ومن كان مريضاً ..). أما الشيء الخفيف [كالسعال والصداع] فلا يجوز الفطر بسببه. وإذا ثبت بالطب أو علم الشخص من عادته وتجربته أو غلب على ظنـِّه أن الصيام يجلب له المرض أو يزيده أو يؤخر البرء يجوز له أن يُفطر، بل يُكره له الصيام. وإذا كان مرضه مطبقاً فلا يجب عليه أن ينوي الصوم بالليل ولو كان يُحتمل أن يُصبح صحيحاً لأن العبرة بالحال الحاضرة. إن كان الصوم يُسَبِّبُ له الإغماء أفطرَ وقضى. وإذا أغمي عليه أثناء النهار ثم أفاق قبل الغروب أو بعده فصيامه صحيح ما دام أصبح صائماً، وإذا طرأ عليه الإغماء من الفجر إلى المغرب فالجمهور على عدم صحة صومه. أما قضاء المغمى عليه فهو واجب [عند جمهور العلماء] مهما طالت مدة الإغماء. وأفتى بعض أهل العلم بأن من أغمي عليه أو وضعوا له منوِّماً أو مخدراً لمصلحته فغاب عن الوعي فإن كان ثلاثة أيام فأقلّ يقضي [قياساً على النائم]، وإن كان أكثر لا يقضي [قياساً على المجنون]. ومن أرهقه جوعٌ مُفرط أو عطشٌ شديدٌ فخافَ على نفسه الهلاك أو ذهاب بعض الحواسّ بغلبة الظن [لا الوهم] أفطر وقضى؛ لأن حفظ النفس واجب. ولا يجوز الفطر لمجرد الشدة المحتملة أو التعب أو خوف المرض متوهماً. وأصحاب المهن الشاقة لا يجوز لهم الفطر، وعليهم نية الصيام بالليل، فإن كان يضرهم ترك الصنعة وخشوا على أنفسهم التلف أثناء النهار أو لحق بهم مشقة عظيمة اضطرتهم إلى الإفطار فإنهم يُفطرون بما يدفع المشقة ثمّ يُمسكون إلى الغروب ويقضون بعد ذلك، وعلى العامل في المهن الشّاقة [كأفران صهر المعادن وغيرها] إذا كان لا يستطيع تحمّل الصيام أن يُحاول جعل عمله بالليل أو يأخذ إجازة أثناء شهر رمضان ولو بدون مرتب فإن لم يتيسّر ذلك بحث عن عمل آخر يُمكنه فيه الجمع بين الواجبين الديني والدنيوي ومن يتقِ الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب. وليست امتحانات الطلاب عذراً يبيح الفطر في رمضان، ولا تجوز طاعة الوالدين في الإفطار لأجل الامتحان لأنه (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق). [14] المريض الذي يُرجى بُرؤه ينتظر الشفاء ثم يقضي، ولا يُجزئه الإطعام. والمريض مرضاً مزمناً لا يُرجى برؤه [وكذا الكبير العاجز] يُطعم عن كل يوم مسكيناً نصف صاع من قوت البلد [وذلك يعادل كيلو ونصف تقريباً من الرز]، ويجوز أن يجمع الفدية فيُطعم المساكين في آخر الشهر ويجوز أن يُطعم مسكيناً كلّ يوم. ويجب إخراجها طعاماً [لنصِّ الآية] ولا يُجزئ إعطاؤها إلى المسكين نقوداً. ويُمكن أن يوكل ثقة أو جهة خيرية موثوقة لشراء الطعام وتوزيعه نيابة عنه. والمريض الذي أفطر من رمضان وينتظر الشفاء ليقضي ثم علم أن مرضه مُزمن فالواجب عليه إطعام مسكين عن كل يوم أفطره. ومن كان ينتظر الشفاء من مرض يُرجى برؤه فمات فليس عليه ولا على أوليائه شيء. ومن كان مرضه يُعتبر مُزمناً فأفطر وأطعمَ ثم [مع تقدّم الطبّ] وُجد له علاج فاستعمله وشفي لا يلزمه شيء عما مضى؛ لأنه فعل ما وجب عليه في حينه. من مَرِضَ ثمّ شفي وتمكن من القضاء فلم يقض حتى مات يُخرَجُ من ماله طعام مسكين عن كل يوم، وإن رغب أحد أقاربه أن يصوم عنه صحَّ ذلك، لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليّه).
صيام الكبار:
[15] العجوز والشيخ الفاني [الذي فنيت قوته وأصبح كل يومٍ في نقصٍ إلى أن يموت] لا يلزمهما الصوم، ولهما أن يفطرا ما دام الصيام يُجهدهما ويَشقُّ عليهما. وأما من سقط تمييزه وبلغ حدَّ الخَرَف فلا يجب عليه ولا على أهله شيء [لسقوط التكليف]، فإن كان يُمَيِّزُ أحياناً ويهذي أحياناً وجب عليه الصوم حال تمييزه ولم يجب حال هذيانه.
فنيان
24-11-2001, 07:08 PM
المجاهد:
[16] من قاتل عدواً أو أحاط العدو ببلده والصوم يُضعفه عن القتال ساغ له الفطر ولو بدون سفر. وكذلك لو احتاج للفطر قبل القتال أفطر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه قبل القتال: (إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطِروا).
الجهر بالفطر:
[17] من كان سبب فطره ظاهراً [كالمريض] فلا بأس أن يفطر ظاهراً، ومن كان سبب فطره خفيَّاً [كالحائض] فالأولى أن يُفطر خفية خشية التهمة.
النية:
[18] تشترط النية في صوم الفرض وكذا كلُّ صومٍ واجب [كالقضاء والكفارة] لحديث: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل). ويجوز أن تكون في أيِّ جزء من الليل ولو قبل الفجر بلحظة. والنية عزم القلب على الفعل، والتلفظ بها بدعة، وكل من علم أن غداً من رمضان وهو يريد صومه فقد نوى. ومن نوى الإفطار أثناء النهار ولم يُفطر فالراجح أن صيامه لم يفسد، وهو بمثابة من أراد الكلام في الصلاة ولم يتكلم. والردّة تـُبطل النية بلا خلاف. وصائم رمضان لا يحتاج إلى تجديد النية في كلِّ ليلة من ليالي رمضان بل تكفيه نية الصيام عند دخول الشهر، فإن نوى الإفطار تحقيقاً [في سفر أو مرض مثلاً] لزمه تجديد النية لصوم ما تبقى [إذا زال عذره]. والصيام النفل المطلق لا تـُشترط له النية من الليل لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ، فقال: هل عندكم شيء، فقلنا: لا، فقال: فإني إذاً صائم). وأما النفل المُعيَّن [كعرفة وعاشوراء] فالأحوط أن ينوي له من الليل. وإن ادركه رمضان وهو لا يدري فأكل وشرب ثم علم فليمسك وليتم صومه ويجزئه [وتبييت النية ليس شرطاً في حقه؛ لأنه لم يستطع فيدخل تحت عموم قوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) ولما ثبت من أمر النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة رضي الله عنهم: (من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم)، وكان ذلك اليوم عاشوراء الذي كان واجباً صيامه ثم نسخ، فدلَّ ذلك على ما ينبغي في الصيام الواجب الذي أدركه وهو لا يدري]، ومن لم يأكل فلا يطعم.
قطع الصيام:
[19] من شرع في صوم واجب [كالقضاء والنذر والكفارة] فلا بُدَّ أن يُتِمَّه، ولا يجوز أن يُفطر فيه بغير عذر. وأما النافلة فإن (الصائم المتطوع أميرُ نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر [ولو بغير عذر])، وقد أصبح النبي صلى الله عليه وسلم مرة صائماً ثم أكل [كما جاء في قصة الحيس الذي أهدِيَ إليه]. وقال بعض أهل العلم بأنه لا يُثاب إذا قطع صومه، والأفضل للصائم المتطوع أن يُتمّ صومه ما لم توجد مصلحة شرعية راجحة لقطعه وإلا فلا يصم؛ لأن نفسه ستتخذ ذلك مدخلاً عليه.
المحبوس:
[20] إن علم السجين والمحبوس بدخول الشهر[بمشاهدة أو إخبار من ثقة] وجب عليه الصيام، وإلا فإنه يجتهد لنفسه ويعمل بما غلب على ظنه، فإن تبين له بعد ذلك أن صومه وافق رمضان أو كان بعده أجزأه ذلك، وإذا وافق قبل دخول الشهر فلا يُجزئه وعليه القضاء، فإن لم ينكشف له فإنه يجزئه صومه [لأنه بذل وسعه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها].
الإفطار:
[21] يفطر الصائم إذا غابَ جميع قرص الشمس، ولا عبرة بالحُمرَةِ الشديدة الباقية في الأفق، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبل الليل من ههنا وأدبرَ النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم). والسنة أن يُعَجِّلَ الإفطار، فقد كان صلى الله عليه وسلم لا يصلي المغرب حتى يُفطر [ولو على شربة من الماء]، فإن لم يجد الصائم شيئاً يُفطر عليه نوى الفطر بقلبه، ولا يَمُصُّ أصبعه [كما يفعل البعض]. وليَحذر الإفطار قبل الوقت؛ لأن فيه وعيداً شديداً كما بَيَّناه أعلاه. ولا ينبغي الاعتماد على خبر الأطفال الصِّغار والمصادر غير الموثوقة. وكذلك ينبغي الانتباه لفارق التوقيت بين المُدُن والقرى عند سماع الأذان في الإذاعة ونحوها.
الإمساك:
[22] إذا طلع الفجر [وهو البياض المعترض المنتشر في الأفق من جهة المشرق] وجب على الصائم الإمساك حالاً [سواء سمع الأذان أم لا]، وإن كان في يده كأس فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا سَمِعَ أحدكم النداء والإناء في يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) [وله زيادة:] (وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر). وإذا كان يعلم أنّ المؤذن يؤذن عند طلوع الفجر فيجبُ عليه الإمساك حال سماع أذانه، وإذا كان المؤذن يؤذن قبل الفجر فلا يجب الإمساك عن الأكل والشرب، وإن كان لا يعلم حال المؤذن أو اختلف المؤذنون ولا يستطيع أن يتبين الفجر بنفسه [كما في المدن غالباً بسبب الإنارة والمباني] فإنَّ عليه أن يَحتاط بالعمل بالتقويمات المطبوعة المبنية على الحسابات والتقديرات [ما لم يتبين خطؤها، فإن بعضها يمضي عليه زمن فيتغير]. وأما الاحتياط بالإمساك قبل الفجر بوقت [كعشر دقائق ونحوها] فهو بدعة من البدع [ومنه ما يُلاحظ في بعض التقاويم من وجود خانة للإمساك وأخرى للفجر].
إذا طال النهار:
[23] البلد الذي فيه ليل ونهار في الأربع والعشرين ساعة، على المسلمين فيه الصيام ولو طال النهار [ما دام يُمكِن تمييز ليلهم من نهارهم]، وفي بعض البلدان التي لا يمكن فيها تمييز ذلك، يصومون بحسب أقرب البلدان إليهم مما فيه ليلٌ أو نهار متميز.
المفطرات:
[24] المُفطرات [عدا الحيض والنفاس] لا يُفطِرُ بها الصائم إلا بشروط ثلاثة، أن يكون عالماً غير جاهلٍ، ذاكراً غير ناسٍ، مختاراً غير مُضطرٍّ ولا مُكرَهٍ. ومن المفطرات ما يكون من نوع الامتلاء [كالأكل والشرب والأدوية والحبوب عن طريق الفم والإبر المُغذية وحقنُ الدم ونقله]، ومنه ما يكون من نوع الاستفراغ [كالجماع والاستقاءة والحيض]. وغسيل الكلى [الذي يتطلب خروج الدم لتنقيته ثم رجوعه مرة أخرى مع إضافة مواد كيماوية وغذائية كالسكريات والأملاح وغيرها إلى الدم] يُعتبر مُفطِّراً. أما الإبر التي لا يُستعاضُ بها عن الأكل والشرب ولكنها للمعالجة [كالبنسلين والأنسولين أو تنشيط الجسم أو التطعيم] فلا تضرُّ الصيام، وكذلك الحقنة الشرجية والحقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية [باستثناء السوائل والحقن المغذية]. والأحوط أن تكون كل هذه الإبر بالليل. وبَخَّاخ الربو لا يفطر [لأنه غاز مضغوط يذهب إلى الرئة وليس بطعام] وكذلك غاز الأكسجين وغازات التخدير [البنج] [ما لم يُعطَ المريض سوائل [محاليل] مغذية]. الاحتجام [الذي كان من جملة المفطرات ثم نسخ] ومداواة الجراح وسحب الدم للتحليل وأخذِ عيِّنات [خزعات] من الكبد أو غيره من الأعضاء [ما لم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل] لا يُفسد الصوم. ومن حشا سِنـَّهُ بحشوة طبية فوجد طعمها في حلقه وحَفرُ السِّنِّ وقلعهُ وتنظيف الأسنان والسواك وفرش الأسنان والمضمضة والغرغرة لا تفطر. وقطرة العين والأذن وغسولهما وقطرة الأنف وبخاخ الأنف وبخاخ العلاج الموضعي للفم والأقراص العلاجية [التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية] لا تفطر [إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق]. ولا يفطر ما يدخل المهبل [من تحاميل [لبوس]، أو غسول، أو منظار مهبلي، أو إصبع للفحص الطبي وإدخال المنظار أو اللولب ونحوهما إلى الرحم] وما يدخل الإحليل [أي مجرى البول الظاهر للذكر أو الأنثى] [من قثطرة [أنبوب دقيق] أو منظار أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء، أو محلول لغسل المثانة] ومنظار المعدة [إذا لم يُصاحِبهُ إدخال سوائل [محاليل] أو مواد أخرى] وادخال أيِّ أداة أو مواد علاجية إلى الدماغ أو النخاع الشوكي وإدخال منظار من خلال جدار البطن [لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها] وما يدخل في الشرايين [قثطرة [أنبوب دقيق] لتصوير أو علاج أوعية القلب] أو غيره من الأعضاء. ولا يفطر ما يدخل الجسم امتصاصاً من الجلد [كالدهونات والمراهم واللصقات العلاجية الجلدية المُحمَّلة بالمواد الدوائية أو الكيميائية].